إلغاء الشهادة المتوسطة: خطوة نحو تعليم أكثر إنسانية وفعالية

تعود فكرة الشهادة المتوسطة في لبنان إلى منتصف القرن العشرين، حيث اعتمدت رسميًا في عام 1951 كوسيلة لتقييم المرحلة الإعدادية من التعليم، وكانت تهدف إلى تحديد مستقبل المتعلمين الأكاديمي بناءً على امتحان نهائي واحد. ومع مرور العقود، أصبحت الشهادة محور قلق كبير للمتعلمين وأسرهم، إذ ركزت على الحفظ والتقييم الكمي أكثر من التركيز على اكتساب المهارات والمعارف الحياتية. وفي السنوات الأخيرة، أظهرت الإحصاءات الوطنية أن نسبة الراسبين في الشهادة المتوسطة كانت منخفضة جدًا، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من 85٪ من المتعلمين يجتازون الامتحانات بنجاح، ما يثبت أن النظام الحالي يفرض ضغوطًا غير ضرورية على المتعلمين دون مبرر فعلي.

تؤكد هذه الأرقام على أن الهدف الحقيقي من التعليم يجب أن يكون تنمية قدرات المتعلمين وصقل مهاراتهم، لا مجرد النجاح أو الرسوب في امتحان محدد. لذلك، أصبح من الضروري إعادة النظر في آلية التقييم، واستبدال الشهادة المتوسطة بامتحان وطني معياري يعتمد على جودة معايير التقييم المستمر، بحيث يصبح التقويم عملية متواصلة تعكس مدى تقدم المتعلم في اكتساب المعرفة والمهارات، بدلاً من الاقتصار على تقييم كمي نهائي لمرة واحدة. هذا النهج يخفف الضغط النفسي على المتعلمين ويتيح للمدارس الخاصة والرسمية في لبنان ممارسة دورها التربوي بحرية ومسؤولية، مع الحفاظ على معايير وطنية مشتركة تضمن جودة التعليم وموضوعية التقييم.

تجارب عدة دول تدعم هذا التوجه؛ ففي النرويج والسويد أُلغيت الشهادة المتوسطة منذ التسعينيات واعتمدت نظم تقييم مستمرة، بينما ركزت فنلندا على تطوير مهارات الحياة العملية والتعلم المستمر بدل الامتحانات النهائية المبكرة. تطبيق نموذج مماثل في لبنان من شأنه ربط المعرفة بمهارات حياتية حقيقية، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات، وإعداد المتعلمين لمواجهة تحديات الحياة المعاصرة. وفي هذا الإطار، يجب أن يرافق استبدال الشهادة المتوسطة بالامتحان الوطني توفير الاعتماد المادي اللازم لتطوير البنية التحتية للمدارس، وتأهيل المعلمين على أساليب التقييم الحديثة، وضمان أدوات تقييم دقيقة وفعالة، بما يحقق تعليمًا مستدامًا وعالي الجودة.

إن إلغاء الشهادة المتوسطة ليس مجرد تعديل إداري، بل هو تحول تربوي شامل يهدف إلى تخفيف الضغط على المتعلمين، إعادة الثقة بالمؤسسات التربوية، وربط التعليم بأهداف الحياة العملية، مع اعتماد تقييم مستمر يعكس أداء المتعلم بشكل حقيقي وعادل. وكما يقول التربوي الفرنسي الشهير جان بياجيه: “الهدف من التعليم هو إعداد المتعلمين للحياة، لا مجرد الامتحانات.”، فإن هذه الخطوة في لبنان تمثل بداية حقيقية لتعليم أكثر إنسانية وفعالية.

الجامعة الإسلامية في لبنان ومنظمة “أوكسفام” تخرّجان 86 شاباً وشابة ضمن مشروع “وئام” التمكيني في بعلبك

في احتفالية حاشدة جمعت بين الريادة الأكاديمية والالتزام التنموي، احتفلت الجامعة الإسلامية في لبنان (IUL)، بالتعاون مع منظمة “أوكسفام” (Oxfam) الدولية، بتخريج 86 مستفيداً ومستفيدة من البرنامج التدريبي المكثف ضمن مشروع “وئام”. أقيم الحفل في قاعة الإمام السيد موسى الصدر بفرع الجامعة في بعلبك، برعاية رئيس الجامعة البروفيسور حسن اللقيس ممثلاً بمدير الفرع الدكتور أيمن زعيتر.​

حضور جامع وتأييد للمبادرات التنموية​

شهد الحفل حضوراً لافتاً تقدمه النواب: غازي زعيتر، ملحم الحجيري، وينال صلح، وممثلون عن الأجهزة الرسمية والأمنية، ولفيف من المفتين والعلماء، إلى جانب قيادات حركية، ورؤساء بلديات، ومدراء مؤسسات تربوية واجتماعية، حيث عكس هذا التواجد الالتفاف المجتمعي حول المبادرات التي تهدف إلى تمكين الشباب في منطقة البقاع.

​رؤية الجامعة: تطوير أكاديمي وخدمة مجتمعية​

خلال الحفل، ألقى الدكتور أيمن زعيتر كلمة رئيس الجامعة البروفيسور حسن اللقيس، أكد فيها أن الجامعة وضعت خدمة المجتمع في صلب أولوياتها الاستراتيجية. وسلط الضوء على الإنجازات النوعية التي حققتها الجامعة مؤخراً، ومن أبرزها:​

التميز الأكاديمي: التقدم الملحوظ في التصنيفات العربية وصولاً إلى المرتبة 36 بين الجامعات العربية.​

التوسعة الإنشائية: الإعلان عن إنشاء ثلاثة أبنية جديدة مخصصة لكليات الزراعة والهندسة والعلوم بفرع بعلبك.​

المسؤولية الاجتماعية: قرب افتتاح مركز صحي طبي متطور في المنطقة، تنفيذاً لرؤية قيادة الجامعة في توفير فرص التعلم والخدمات للجميع دون تمييز.

​مشروع “وئام”: أبعاد التمكين والاستقرار

​من جهته، أشاد ممثل منظمة “أوكسفام” الأستاذ عمر طرابلسي بالشراكة المثمرة مع الجامعة الإسلامية، موضحاً أن مشروع “وئام” يهدف إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي واندماج الفئات المهمشة. فيما أوضح مشرف العلاقات العامة للمشروع، الأستاذ وائل الجمال، أن التدريب ارتكز على ثلاثة محاور استراتيجية شملت: الحد من التسرب المدرسي، حماية البيئة، والرعاية الصحية والنفسية، معتبراً أن التمكين الحقيقي يكمن في دمج المعرفة بالوعي الإنساني.

​الجامعة كصرح وطني​

بدوره، نوه رئيس بلدية بعلبك الأستاذ أحمد الطفيلي بدور الجامعة كـ “بيت دافئ للعلم” يجسد نهج الإمام المغيب السيد موسى الصدر، مشيداً باختيار “أوكسفام” لمواضيع تلامس صلب احتياجات المنطقة. كما ألقت الإعلامية وسام درويش كلمة باسم الخريجين، أكدت فيها على عزم الشباب على أداء دورهم الميداني بمسؤولية تجاه مجتمعاتهم.​

اختتام الحفل

اختتمت الاحتفالية بمراسم توزيع الشهادات على الخريجين الـ 86، تلاها حفل كوكتيل، وسط أجواء من التفاؤل بالدور التنموي الجديد الذي سيؤديه الشباب في البقاع

الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ وَالْقَلَمُ: عِنْدَمَا يَخْتَلِطُ الصَّوْتُ الْحَقِيقِيُّ بِالصَّوْتِ الْمَصْنُوعِ

فِي زَمَنٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ شَبَكَاتُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ فَضَاءًا وَاسِعًا لِلتَّأْثِيرِ، لَمْ يَعُدِ الْحُضُورُ الرَّقْمِيُّ مُجَرَّدَ تَرَفٍ أَوْ مِسَاحَةً لِلتَّعْبِيرِ فَحَسْبُ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةٍ قَادِرَةٍ عَلَى تَوْجِيهِ الرَّأْيِ الْعَامِّ، وَصِنَاعَةِ الصُّورَةِ، وَبِنَاءِ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْمِهْنِيَّةِ. فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، تُسْتَخْدَمُ هٰذِهِ الْمُنَصَّاتُ لِتَبَادُلِ الْمَعْرِفَةِ وَتَطْوِيرِ الْأَفْكَارِ، لٰكِنَّ فِي لُبْنَانَ تَحْدِيدًا، يَبْدُو أَنَّ لِكُلٍّ «لَيْلَاهُ»، وَأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ خَبِيرًا، وَمُحَلِّلًا سِيَاسِيًّا، وَصَاحِبَ صَفْحَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ، وَمَلِكًا عَلَى مَنْصَّتِهِ الْخَاصَّةِ.

إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي هٰذَا الْوَاقِعِ لَيْسَ كَثْرَةَ الْأَصْوَاتِ، بَلْ غِيَابُ الْمَعَايِيرِ. فَالْكَثِيرُونَ يَتَبَاهَوْنَ بِكِتَابَاتٍ يَوْمِيَّةٍ وَمَقَالَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ عُقُولَهُمْ تَسْتَعِيرُ أَفْكَارًا جَاهِزَةً، وَتَسْتَنْجِدُ بِبَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لِتَوْلِيدِ مُحْتَوًى يُفْتَرَضُ أَنَّهُ يَعْكِسُ خِبْرَتَهُمْ. وَهُنَا يَبْدَأُ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ الْقَلَمِ الْحَقِيقِيِّ وَالصَّوْتِ الْمَصْنُوعِ، بَيْنَ الْكَاتِبِ الَّذِي يُنْتِجُ مَعْرِفَةً، وَالْكَاتِبِ الَّذِي يَسْتَهْلِكُ جُمَلًا لَيْسَتْ لَهُ.

وَلَيْسَ الْأَمْرُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُحْتَوَى، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى الْأَلْقَابِ. فَقَدْ ظَهَرَ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ أَشْخَاصٌ حَصَلُوا عَلَى دَرَجَاتٍ عِلْمِيَّةٍ رَفِيعَةٍ، بِمَا فِيهَا شَهَادَاتُ الدُّكْتُورَاه، بِطُرُقٍ مُسَهَّلَةٍ وَسَرِيعَةٍ، لَا تُقْنِعُ الْبَاحِثِينَ الْجَادِّينَ وَلَا تُلَائِمُ الْمَعَايِيرَ الْأَكَّادِيمِيَّةَ. أَصْبَحَ اللَّقَبُ مُتَاحًا لِمَنْ يَدْفَعُ، أَوْ لِمَنْ يَحْضُرُ دَوْرَةً قَصِيرَةً، بَدَلَ أَنْ يَكُونَ نَتِيجَةَ جُهْدٍ عِلْمِيٍّ طَوِيلٍ، وَتَرَاكُمِ خِبْرَةٍ، وَإِنْتَاجٍ بَحْثِيٍّ مَنْشُورٍ وَمُوَثَّقٍ وَمُحَكَّمٍ.

وَمِنَ الْمُفَارَقَاتِ الْمُؤْلِمَةِ أَنْ نَرَى مَنْ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ «دُكْتُورٌ» أَوْ «أُسْتَاذٌ جَامِعِيٌّ»، وَهُوَ لَا يُتْقِنُ لُغَتَهُ الْأُمَّ، وَلَا يَمْتَلِكُ أَدَوَاتِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ، وَلَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ بِلُغَةٍ سَلِيمَةٍ — لَا عَرَبِيَّةً وَلَا أَجْنَبِيَّةً. بَعْضُهُمْ لَا يُجِيدُ حَتَّى صِيَاغَةَ جُمْلَةٍ بَسِيطَةٍ دُونَ الْوُقُوعِ فِي أَخْطَاءٍ فَادِحَةٍ، ثُمَّ يَلْجَأُ إِلَى ChatGPT وَغَيْرِهِ مِنْ أَدَوَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لِيَكْتُبَ عَنْهُ، وَيُحَاوِرَ عَنْهُ، وَيُحَلِّلَ مَكَانَهُ.

لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي اسْتِخْدَامِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ؛ فَهٰذِهِ الْأَدَوَاتُ جُزْءٌ مِنَ الْعَصْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ سَنَدًا مُهِمًّا لِلْبَاحِثِ الْحَقِيقِيِّ. الْمُشْكِلَةُ تَكْمُنُ فِي الِانْتِحَالِ: فِي أَنْ يَنْسِبَ الْإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَنْ يَبْنِيَ مَكَانَتَهُ عَلَى مُحْتَوًى مُسْتَعَارٍ، لَا عَلَى جُهْدٍ فِكْرِيٍّ أَصِيلٍ. فَالْكِتَابَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَالْفِكْرُ أَمَانَةٌ، وَالْأَلْقَابُ الْعِلْمِيَّةُ لَيْسَتْ زِينَةً نُعَلِّقُهَا، بَلْ مَنْهَجَ حَيَاةٍ يَلِيقُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا.

إِنَّ مُجْتَمَعًا لَا يَحْتَرِمُ الْمَعْرِفَةَ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْكَاتِبِ وَالنَّاسِخِ، وَلَا بَيْنَ الْبَاحِثِ وَالْمُتَكَلِّفِ، سَيَجِدُ نَفْسَهُ غَارِقًا فِي ضَوْضَاءِ الْأَصْوَاتِ، عَاجِزًا عَنْ سَمَاعِ الْحَقِيقَةِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي مَسْؤُولِيَّةُ الْمُؤَسَّسَاتِ الْأَكَّادِيمِيَّةِ، وَالْهَيْئَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَالْمُجْتَمَعِ نَفْسِهِ، فِي إِعَادَةِ الِاعْتِبَارِ لِلْقِيَمِ الْأَصِيلَةِ: الِإِتْقَانُ، وَالصِّدْقُ الْعِلْمِيُّ، وَاحْتِرَامُ اللُّغَةِ، وَصَوْنُ الْأَلْقَابِ مِنَ الِابْتِذَالِ.

فِي عَصْرٍ يَتَقَدَّمُ فِيهِ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ، لَا نَحْتَاجُ إِلَى الْمَزِيدِ مِنَ «الْخُبَرَاءِ الْمُصْطَنَعِينَ»، بَلْ إِلَى أَصْوَاتٍ صَادِقَةٍ، تَحْتَرِمُ الْقَلَمَ، وَتُقَدِّرُ الْمَعْرِفَةَ، وَتُدْرِكُ أَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْقِفٌ لَا يُصْنَعُ بِضَغْطَةِ زِرٍّ، بَلْ يُبْنَى عَلَى جُهْدٍ، وَقِرَاءَةٍ، وَتَجْرِبَةٍ، وَمَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّعَلُّمِ الْحَقِيقِيِّ.

اليوم الأوّل… من بوابة للتعلّم إلى مهرجان استهلاكي

لم يعد اليوم الأوّل في المدرسة مجرّد لحظة انطلاق لعام دراسي جديد، بل تحوّل في كثير من المؤسسات التربوية إلى ما يشبه مهرجاناً صاخباً تتداخل فيه الألوان والألعاب والموسيقى، وتغيب عنه أحياناً روح التعليم التي يفترض أن تكون محور اللقاء. ما كان في الماضي يوماً لاستقبال المتعلمين بحفاوة هادئة، بات اليوم عرضاً تسويقياً يستقطب الأهالي كما يستقطب الصغار.

لا شك أن الفرح عنصر أساسي في عملية التعلّم. المتعلّم الذي يبدأ عامه بابتسامة وإحساس بالأمان ينخرط في الصف بثقة أكبر ويكتسب قابلية أعلى للاستكشاف والمبادرة. وتشير أبحاث علم النفس التربوي إلى أن المشاعر الإيجابية ترفع مستوى الانتباه، وتعزز القدرة على التذكّر، وتشجّع على الإبداع. لكن الفرح الحقيقي لا يُقاس بحجم الموسيقى أو ألوان البالونات، بل بمدى شعور المتعلّم بأن المدرسة مكانٌ مرحّبٌ به، يسمع صوته ويحترم احتياجاته.

«الفرح في المدرسة ليس ترفاً، بل شرط لنجاح التعلم. لكنه فرح نابع من التقدير والأنشطة الهادفة، لا من مظاهر استهلاكية عابرة.»

مع ذلك، تتنافس المدارس في إعداد أنشطة مبهرة: منصات تصوير، ألعاب نط وقفز، فرق موسيقية، وشخصيات كرتونية، حتى أصبح التفوّق في الإبهار معياراً غير معلن لجذب العائلات. ويذهب بعض المنظّمين أبعد من ذلك فيوفّرون أطعمة وحلويات وسكاكر ومشروبات ملوّنة يعلم الجميع أنها مضرة بالصحة، في الوقت الذي تمتلئ فيه نشرات المدرسة نفسها بالتوصية بتجنّب هذه المأكولات

«ما يُقدَّم من سكاكر ومشروبات غنية بالسكّر في أول يوم دراسي ينسف جهود الأهل والمعلمين في غرس عادات صحية. المتعلّم يربط الفرح بالمضرّ، وهذه معادلة خطيرة»

هذا التناقض يثير تساؤلات جادة حول دور المؤسسة التربوية: كيف يمكن لمدرسة تُحذّر طوال العام من استهلاك السكّر أن تبدأ عامها الدراسي بتوزيعه بكثرة؟ وكيف يمكن أن تزرع في نفوس المتعلمين قيم الاعتدال والصحة إذا كانت أول رسالة عملية تصلهم هي الاحتفاء بما يُضرّهم؟

ورغم هذا الواقع، يمكن للمدارس أن تحقق أجواءً مبهجة من دون استعراض تجاري أو أطعمة مضرّة، من خلال أنشطة أكثر عمقاً وإنسانية، تُشعر المتعلّم بالسعادة الحقيقية وتغرس قيماً تربوية وصحية في الوقت نفسه. من هذه الأفكار

لقاءات تعارف حقيقية بين المعلمين والمتعلمين، حيث يُتيح المعلمون للمتعلمين التعبير عن مشاعرهم وتطلعاتهم، ويشاركونهم بدورهم بعض القصص القصيرة أو المواقف الطريفة. هذا الحوار المباشر يخفف رهبة البداية ويؤسس لثقة متبادلة من اليوم الأول

ألعاب حركية أو فنية داخل الصفوف والساحات مثل الرسم الجماعي أو بناء مجسمات بسيطة أو سباقات تعاونية، وهي أنشطة تعزز روح التعاون والانتماء، وتدعو المتعلّم إلى التفاعل مع زملائه بعيداً عن أجواء التنافس التجاري

رسائل ترحيب شخصية تُكتب بخط اليد أو تُقدم كبطاقات صغيرة تحمل اسم كل متعلّم وكلمة تشجيعية، لتُشعره بأن له مكانة خاصة في قلب المدرسة، وأنه فرد مميز في جماعة متكاملة

تقديم وجبات صحية مبتكرة مثل الفواكه المقطعة بأشكال مرحة أو السندويشات المزينة بعناية. يمكن إشراك المتعلمين في إعداد بعض هذه الوجبات في حصص قصيرة، ليكتسبوا عادة تناول طعام صحي بطريقة ممتعة

و أقول دائماً إنّ
«المدرسة التي تُشعر المتعلّم بفرح حقيقي خلال حوار واهتمام وأنشطة تعليمية ممتعة، هي التي تزرع في قلبه حبّ العلم، لا حبّ الاستعراض.»

إن مثل هذه الأنشطة لا تخلق أجواء مبهجة فحسب، بل تُعزز أهدافاً تربوية عميقة: بناء الثقة، تنمية المهارات الاجتماعية، وتشجيع السلوكيات الصحية. الأهم أنها تمنح المدرسة فرصة لتقديم نفسها كبيئة تعليمية أصيلة، حيث يكون التسويق في جودة التجربة التعليمية لا في بريق المظاهر

وفي خلفية هذا المشهد يبرز بعدٌ آخر لا يقلّ خطورة: التسويق للمؤسسة نفسها. فالمهرجان الملوّن ليس مجرد مبادرة للترحيب بالمتعلمين، بل وسيلة غير مباشرة لإقناع الأهالي بأن هذه المدرسة «الأكثر فرحاً وحداثة»، ولو كان الثمن تشويه الأولويات التربوية. ومع اتساع المنافسة بين المدارس، تتناقص الحدود الفاصلة بين العمل التربوي والحدث التجاري

ولعلّ السؤال الأعمق هو: هل هذه المهرجانات صدى لرغبة بعض الإدارات في كسب ثقة الأهل واستقطاب الأقساط من خلال استعراضات تُوحي بالرقي والحداثة؟ أم أنها موجة من «الفُشار» الاجتماعي التي تتغذّى على واقع ابتعدت فيه بعض العائلات عن مبادئ التربية الأصيلة، حتى باتت راحة المتعلّم النفسية تُفهم بطرق لا أساس لها في العلم التربوي؟

إن الفرح في المدرسة ضرورة تربوية، لكنه لا يحتاج إلى مظاهر استهلاكية. الفرح الذي يرافق التعلّم هو ذلك الذي يترك أثراً طويل الأمد: ابتسامة معلّم صادق، نشاط جماعي يخلق ذكريات، وكلمة ترحيب تشجع المتعلّم على الإبداع. عندها تصبح المدرسة مكاناً يحتفل بالحياة كل يوم، لا في مهرجان عابر.٠

د. هنا علي
تقييم يليق بالوطن: نحو امتحانات رسمية تراعي الفروق والظروف

تُعَدُّ الامتحاناتُ الرسميَّةُ من أبرزِ أدواتِ التقويمِ التربويِّ، إذ تُؤثِّرُ بشكلٍ مباشرٍ على المسارِ الأكاديميِّ والمهنيِّ للمتعلّمين. ومن هنا، تبرُزُ الحاجةُ المُلحَّةُ إلى إعادةِ النظرِ في طبيعةِ الأسئلةِ المعتمَدةِ ضمنَ هذه الامتحانات، حيثُ إنَّ الاقتصارَ على نمطٍ موحَّدٍ، كالسؤالِ المقاليِّ التقليديِّ، قد لا يُعبِّرُ بدقَّةٍ عن تنوُّعِ قدراتِ المتعلّمين واختلافِ أساليبِ تعلُّمِهم. 

إنَّ تنويعَ الأسئلةِ ليشملَ الأسئلةَ الموضوعيَّةَ، مثلَ: الاختيارِ من متعدِّد، الصحِّ والخطأ، والتوصيل، إلى جانبِ الأسئلةِ المقاليَّةِ والتحليليَّةِ، يُعَدُّ خطوةً أساسيَّةً نحو تحقيقِ العدالةِ التربويَّةِ، لأنَّه يسمحُ بتقويمٍ أكثرَ شمولًا، ويُراعي الفروقاتِ الفرديَّةَ. ومن هذا المنطلق، فإنَّ ضرورةَ تلاؤمِ صياغةِ الأسئلةِ والتعليماتِ مع كفاياتِ المتعلّمِ، ومراعاةَ أنماطِ تفكيرِه وظروفِه المختلفة، ليست خيارًا، بل مطلبًا تربويًّا مُلحًّا، خصوصًا في ظلِّ ازديادِ التنوُّعِ في قدراتِ المتعلّمين داخلَ الصفِّ الواحد. فالتنويعُ لم يَعدْ ترفًا أو اختيارًا، بل أصبحَ جزءًا لا يتجزّأُ من العدالةِ التقييميَّةِ، ما يتطلّبُ أن تُقسَّمَ الأسئلةُ وِفقَ المجالاتِ المعرفيَّةِ والمهاريَّةِ والوجدانيَّةِ بطريقةٍ متوازنةٍ ومدروسةٍ، تُتيحُ لكلِّ متعلِّمٍ فُرصةَ التعبيرِ عن إمكاناتِه بالشكلِ الأمثل.

 وفي هذا السِّياق، يَبرُزُ تصنيفُ “بلوم” للأهدافِ التعليميَّةِ كأداةٍ مرجعيَّةٍ فعّالةٍ يمكنُ الاستنادُ إليها عند إعدادِ الامتحاناتِ، حيثُ يُوفِّرُ إطارًا واضحًا لصياغةِ أسئلةٍ تُغطِّي مختلفَ المستوياتِ المعرفيَّة، بدءًا من التذكُّرِ والفهم، مرورًا بالتطبيقِ والتحليل، وصولًا إلى التركيبِ والتقويم. إنَّ اعتمادَ هذا النهجِ في بناءِ الأسئلةِ لا يُثري مضمونَ الامتحانِ فحسب، بل يُسهمُ أيضًا في تعزيزِ مصداقيَّةِ نتائجه، إذ تُصبِحُ أكثرَ قدرةً على قياسِ الفهمِ العميقِ والمهاراتِ العُليا لدى المتعلّمين، بعيدًا عن الحفظِ والاستظهارِ فقط.

وتتجلّى هنا أهميّةُ الإعدادِ التربويِّ للمعلمِ الذي يُكلَّفُ بوضعِ الأسئلةِ، إذ لا يَكفي أن يكونَ ملمًّا بالمحتوى العلميِّ، بل يجبُ أن يمتلكَ كفاياتٍ تربويّةً وتقويميّةً تمكِّنُه من إعدادِ أدواتِ تقييمٍ عادلةٍ وفعّالة. فصِياغةُ الأسئلةِ ينبغي أن تتمَّ وِفقَ معاييرَ علميّةٍ دقيقةٍ تُراعي الثباتَ، والموضوعيَّةَ، والصدقَ، لضمانِ أن تكونَ الامتحاناتُ مُمثّلةً حقيقيّةً لقدراتِ جميعِ المتعلّمين في مختلفِ مناطقِ الوطن، وأن تُغطّيَ المنهجَ كاملًا بعدالةٍ وشُمول. فغيابُ هذه المعاييرِ قد يؤدّي إلى تقويمٍ مشوَّهٍ يفتقرُ إلى المصداقيّةِ، ويَظلمُ شريحةً من المتعلّمين، ما ينعكسُ سلبًا على ثقتِهم بالمنظومةِ التعليميّة.

وإزاء الظروفِ القاسيةِ التي يمرُّ بها جنوبُ لبنانَ الحبيب، لا سيّما بعد العدوانِ الأخيرِ وتداعياتِه الاجتماعيّةِ والتربويّةِ، تبرزُ ضرورةُ مراعاةِ ظروفِ المتعلّمين في هذه المناطقِ الجغرافيّةِ، من حيثُ التخفيفُ من المنتجِ الامتحانيِّ، وضمانُ صياغةِ أسئلةٍ عادلةٍ تراعي البيئةَ الضاغطةَ التي تعلّموا فيها، دونَ المساسِ بمستوى الامتحانِ الوطنيِّ وموضوعيّتِه. وهذا يشملُ كذلكَ كلَّ متعلّمٍ على امتدادِ الوطنِ، بما يُكرّسُ مبدأ الإنصافِ التربويِّ ويمنحُ الجميعَ فرصًا متكافئةً للتقدُّمِ وتحقيقِ الذاتِ في ظلِّ تحدياتٍ وطنيةٍ واجتماعيةٍ معقّدةٍ.

 وبالتالي، فإنّ تطويرَ ثقافةِ التقويمِ في الامتحاناتِ الرسميّةِ يتطلّبُ بناءَ قدراتِ المعلّمين بشكلٍ مستمرٍّ، وتوفيرَ التدريبِ اللازمِ لهم في مجالِ تصميمِ الاختبارات، بما يتوافقُ مع المقارباتِ الحديثةِ في التعليم. فالتقويمُ ليس مرحلةً ختاميّةً في العمليّةِ التعليميّة، بل هو امتدادٌ لها وشريكٌ في توجيهِها نحو تحقيقِ جودةِ التعليمِ والإنصافِ لجميعِ المتعلّمين. في الختام نشدد على أهمية اعتمادَ التنويعِ المدروسِ في بناءِ الامتحاناتِ الرسميّةِ، وتكاملَه مع كفاياتِ المعلّمِ التربويّة، ومراعاةَ السياقِ الاجتماعيِّ والإنسانيِّ للمتعلمين، يُشكّلُ حجرَ الأساسِ في الارتقاءِ بمنظومةِ التقييمِ الوطنيّ. فاختبارُ المتعلّمِ يجبُ أن يكونَ مرآةً عادلةً لجهدهِ، لا عائقًا أمامَ طموحِه. ومع التزامِ المؤسّساتِ التربويّةِ بتحديثِ أدواتِ التقويمِ، وبناءِ ثقافةٍ قائمةٍ على العدالةِ والشفافيّةِ، يمكنُنا أن نُعيدَ للامتحاناتِ دورَها الحقيقيَّ كوسيلةٍ للنهوضِ بالمُخرجاتِ التعليميّةِ، لا مجرّد أداةٍ للفرزِ والانتقاء.

د. هنا علي

 باحثة تربوية ومديرة إدارة التدريب 

في المركز الديمقراطي العربي برلين

قرار لوزير التربية يتعلّق بتسجيل التلامذة غير اللبنانيين في المدارس والثانويات الرسمية

أصدر وزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي قرارا يتعلق بتسجيل التلامذة غير اللبنانيين القدامى في المدارس والثانويات الرسمية للعام الدراسي 2023/2024، جاء فيه:

“إن وزير التربية والتعليم العالي بناء على المرسوم رقم 3678 تاريخ 10/9/2021 (تشكيل الحكومة)، بناء على المرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12/06/1959 وتعديلاته (نظام الموظفين)، بناء على المرسوم رقم 4892 تاريخ 27/8/2010 (تعديل بعض أحكام المرسوم رقم 2089 تاريخ 18/10/1971)، 

استناداً للقرار 775/م/2023 تاريخ 5/10/2023 والمتعلق باستمرار تسجيل التلامذة اللبنانيين والتلامذة من ام لبنانية ومكتومي القيد، وتأميناً لاستكمال اعمال تسجيل التلامذة في المدارس والثانويات الرسمية، وبناء على اقتراح المدير العام للتربية، يقرّر ما يأتي:

 

المادة الأولى: استناداً للقرار 775/م/2023 تاريخ 5/10/2023 والمتعلق باستمرار تسجيل التلامذة اللبنانيين والتلامذة من ام لبنانية ومكتومي القيد من أصول لبنانية في الثانويات والمدارس الرسمية، لغاية الخميس 26/10/2023،الذين لم يتم تسجيلهم خلال فترات التسجيل السابقة، وفي ضوء القدرة الاستيعابية، يمكن تسجيل التلامذة غير اللبنانيين شرط التقيد بالاولويات التالية:

أ‌- التلامذة غير اللبنانيين الذين تابعوا الدراسة النظامية في المدراس الرسمية – دوام صباحي منذ أكثر من اربع سنوات دون انقطاع ولديهم افادات مدرسية مصدقة وفق الاصول.

ب‌- التلامذة الفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ ما قبل الازمة السورية والذين لا تتوافر مدارس للاونروا في نطاق سكنهم ومن غير الذين تابعوا الدراسة العام الماضي في مدارس الاونروا.

ت‌- التلامذة غير اللبنانيين القدامى والجدد من غير جنسيات الدول التي تعاني ازمة النزوح.

المادة الثانية: يتعذر قبول التلامذة غير اللبنانيين، على رغم مراعاة الاولويات المحددة اعلاه الا في الصفوف القائمة اصلاً التي لا يجوز ان تقل اعداد التلامذة فيها عن العشرة تلامذة لبنانيين، مع ما يستتبع ذلك من عدم قانونية تشعيب الصف من خلال فتح المجال امام تسجيل غير اللبنانيين مهما كانت الاسباب، أما في حال عدم توافر عشرة من التلامذة اللبنانيين على الاقل في مرحلة رياض الاطفال والحلقتين الاولى والثانية من مرحلة التعليم الاساسي لاعتماد الصف وفق الاصول فيدمج هذا الصف بالصف الاعلى، أو الادنى مباشرة في المدرسة نفسها،او يقفل وينقل التلامذة الى مدرسة مجاورة وفق احكام النظام الداخلي لرياض الاطفال ومدارس التعليم الاساسي، على ان تفيد ادارة المدرسة عن عدد التلامذة وتوزعهم على الشعب فور انتهاء اعمال التسجيل ودون اي تأخير مع الاقتراحات بدمج الصفوف او اقفالها وفق الانظمة.

المادة الثالثة: لا يجوز لاي سبب من الاسباب قبول انتقال التلامذة غير اللبنانيين من الدوام المعتمد لتدريس غير اللبنانيين الى الدوام الصباحي، ويتحمل مدير المدرسة المسؤولية في حال المخالفة.

المادة الرابعة: يبلغ هذا القرار لمن يلزم”.