تقييم يليق بالوطن: نحو امتحانات رسمية تراعي الفروق والظروف
تُعَدُّ الامتحاناتُ الرسميَّةُ من أبرزِ أدواتِ التقويمِ التربويِّ، إذ تُؤثِّرُ بشكلٍ مباشرٍ على المسارِ الأكاديميِّ والمهنيِّ للمتعلّمين. ومن هنا، تبرُزُ الحاجةُ المُلحَّةُ إلى إعادةِ النظرِ في طبيعةِ الأسئلةِ المعتمَدةِ ضمنَ هذه الامتحانات، حيثُ إنَّ الاقتصارَ على نمطٍ موحَّدٍ، كالسؤالِ المقاليِّ التقليديِّ، قد لا يُعبِّرُ بدقَّةٍ عن تنوُّعِ قدراتِ المتعلّمين واختلافِ أساليبِ تعلُّمِهم.
إنَّ تنويعَ الأسئلةِ ليشملَ الأسئلةَ الموضوعيَّةَ، مثلَ: الاختيارِ من متعدِّد، الصحِّ والخطأ، والتوصيل، إلى جانبِ الأسئلةِ المقاليَّةِ والتحليليَّةِ، يُعَدُّ خطوةً أساسيَّةً نحو تحقيقِ العدالةِ التربويَّةِ، لأنَّه يسمحُ بتقويمٍ أكثرَ شمولًا، ويُراعي الفروقاتِ الفرديَّةَ. ومن هذا المنطلق، فإنَّ ضرورةَ تلاؤمِ صياغةِ الأسئلةِ والتعليماتِ مع كفاياتِ المتعلّمِ، ومراعاةَ أنماطِ تفكيرِه وظروفِه المختلفة، ليست خيارًا، بل مطلبًا تربويًّا مُلحًّا، خصوصًا في ظلِّ ازديادِ التنوُّعِ في قدراتِ المتعلّمين داخلَ الصفِّ الواحد. فالتنويعُ لم يَعدْ ترفًا أو اختيارًا، بل أصبحَ جزءًا لا يتجزّأُ من العدالةِ التقييميَّةِ، ما يتطلّبُ أن تُقسَّمَ الأسئلةُ وِفقَ المجالاتِ المعرفيَّةِ والمهاريَّةِ والوجدانيَّةِ بطريقةٍ متوازنةٍ ومدروسةٍ، تُتيحُ لكلِّ متعلِّمٍ فُرصةَ التعبيرِ عن إمكاناتِه بالشكلِ الأمثل.
وفي هذا السِّياق، يَبرُزُ تصنيفُ “بلوم” للأهدافِ التعليميَّةِ كأداةٍ مرجعيَّةٍ فعّالةٍ يمكنُ الاستنادُ إليها عند إعدادِ الامتحاناتِ، حيثُ يُوفِّرُ إطارًا واضحًا لصياغةِ أسئلةٍ تُغطِّي مختلفَ المستوياتِ المعرفيَّة، بدءًا من التذكُّرِ والفهم، مرورًا بالتطبيقِ والتحليل، وصولًا إلى التركيبِ والتقويم. إنَّ اعتمادَ هذا النهجِ في بناءِ الأسئلةِ لا يُثري مضمونَ الامتحانِ فحسب، بل يُسهمُ أيضًا في تعزيزِ مصداقيَّةِ نتائجه، إذ تُصبِحُ أكثرَ قدرةً على قياسِ الفهمِ العميقِ والمهاراتِ العُليا لدى المتعلّمين، بعيدًا عن الحفظِ والاستظهارِ فقط.
وتتجلّى هنا أهميّةُ الإعدادِ التربويِّ للمعلمِ الذي يُكلَّفُ بوضعِ الأسئلةِ، إذ لا يَكفي أن يكونَ ملمًّا بالمحتوى العلميِّ، بل يجبُ أن يمتلكَ كفاياتٍ تربويّةً وتقويميّةً تمكِّنُه من إعدادِ أدواتِ تقييمٍ عادلةٍ وفعّالة. فصِياغةُ الأسئلةِ ينبغي أن تتمَّ وِفقَ معاييرَ علميّةٍ دقيقةٍ تُراعي الثباتَ، والموضوعيَّةَ، والصدقَ، لضمانِ أن تكونَ الامتحاناتُ مُمثّلةً حقيقيّةً لقدراتِ جميعِ المتعلّمين في مختلفِ مناطقِ الوطن، وأن تُغطّيَ المنهجَ كاملًا بعدالةٍ وشُمول. فغيابُ هذه المعاييرِ قد يؤدّي إلى تقويمٍ مشوَّهٍ يفتقرُ إلى المصداقيّةِ، ويَظلمُ شريحةً من المتعلّمين، ما ينعكسُ سلبًا على ثقتِهم بالمنظومةِ التعليميّة.
وإزاء الظروفِ القاسيةِ التي يمرُّ بها جنوبُ لبنانَ الحبيب، لا سيّما بعد العدوانِ الأخيرِ وتداعياتِه الاجتماعيّةِ والتربويّةِ، تبرزُ ضرورةُ مراعاةِ ظروفِ المتعلّمين في هذه المناطقِ الجغرافيّةِ، من حيثُ التخفيفُ من المنتجِ الامتحانيِّ، وضمانُ صياغةِ أسئلةٍ عادلةٍ تراعي البيئةَ الضاغطةَ التي تعلّموا فيها، دونَ المساسِ بمستوى الامتحانِ الوطنيِّ وموضوعيّتِه. وهذا يشملُ كذلكَ كلَّ متعلّمٍ على امتدادِ الوطنِ، بما يُكرّسُ مبدأ الإنصافِ التربويِّ ويمنحُ الجميعَ فرصًا متكافئةً للتقدُّمِ وتحقيقِ الذاتِ في ظلِّ تحدياتٍ وطنيةٍ واجتماعيةٍ معقّدةٍ.
وبالتالي، فإنّ تطويرَ ثقافةِ التقويمِ في الامتحاناتِ الرسميّةِ يتطلّبُ بناءَ قدراتِ المعلّمين بشكلٍ مستمرٍّ، وتوفيرَ التدريبِ اللازمِ لهم في مجالِ تصميمِ الاختبارات، بما يتوافقُ مع المقارباتِ الحديثةِ في التعليم. فالتقويمُ ليس مرحلةً ختاميّةً في العمليّةِ التعليميّة، بل هو امتدادٌ لها وشريكٌ في توجيهِها نحو تحقيقِ جودةِ التعليمِ والإنصافِ لجميعِ المتعلّمين. في الختام نشدد على أهمية اعتمادَ التنويعِ المدروسِ في بناءِ الامتحاناتِ الرسميّةِ، وتكاملَه مع كفاياتِ المعلّمِ التربويّة، ومراعاةَ السياقِ الاجتماعيِّ والإنسانيِّ للمتعلمين، يُشكّلُ حجرَ الأساسِ في الارتقاءِ بمنظومةِ التقييمِ الوطنيّ. فاختبارُ المتعلّمِ يجبُ أن يكونَ مرآةً عادلةً لجهدهِ، لا عائقًا أمامَ طموحِه. ومع التزامِ المؤسّساتِ التربويّةِ بتحديثِ أدواتِ التقويمِ، وبناءِ ثقافةٍ قائمةٍ على العدالةِ والشفافيّةِ، يمكنُنا أن نُعيدَ للامتحاناتِ دورَها الحقيقيَّ كوسيلةٍ للنهوضِ بالمُخرجاتِ التعليميّةِ، لا مجرّد أداةٍ للفرزِ والانتقاء.
د. هنا علي
باحثة تربوية ومديرة إدارة التدريب
في المركز الديمقراطي العربي برلين
