عدالة التعليم في لبنان في زمن الحرب: بين الضرورة الإنسانية ومسؤولية الاستمرارية التربوية

تُعدّ عدالة التعليم في لبنان في زمن الحرب قضيةً تتجاوز حدود النقاش التربوي لتلامس جوهر الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان الأساسية. فالتعليم، في ظل الأزمات، لم يعد مجرد مسار لاكتساب المعرفة، بل أصبح ركيزة أساسية لحماية جيل كامل من الضياع، وضمان استمرارية المجتمع وقدرته على النهوض مجددًا. إن الاستثمار في التعليم العادل اليوم هو استثمار مباشر في مستقبل أكثر استقرارًا وسلامًا.في هذا السياق، بادرت وزارة التربية والتعليم العالي إلى اتخاذ إجراءات تهدف إلى الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية، من بينها تفعيل الخدمات التربوية وتأمين الإنترنت المجاني لكل من المعلمين والمتعلمين، لا سيما أولئك الموجودين في مراكز الإيواء من النازحين. وقد شكّلت هذه الخطوة محاولة جادة لتقليص الفجوة الرقمية وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى التعليم، رغم التحديات الكبيرة التي تفرضها الظروف الراهنة.

غير أن التعليم في زمن الحرب لا يمكن اختزاله في تأمين الوصول إلى المحتوى التعليمي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل بناء الإنسان نفسيًا وقيميًا. فالتعليم هو تنظيم للفكر، وثقافة للنفس، وإعادة ترتيب للأولويات في واقع مضطرب. ومن هنا، تبرز أهمية استثمار هذه المرحلة في ترسيخ القيم الإنسانية لدى المتعلمين، من خلال ممارسات يومية تعزز روح التعاون، والمساندة، والتعاطف مع الآخر. كما يُعدّ نشر قيم المواطنة، والانتماء، والوحدة الوطنية أمرًا ملحًا، لا سيما في ظل الانقسامات والتحديات التي تفرضها الحروب.

وفي خضم هذا النقاش، لا بد من التوقف عند مسألة جوهرية، وهي أن التربية ليست مجالًا مفتوحًا للتنظير العابر. فليس كل من خطرت على باله فكرة يمكن أن يُعدّ فيلسوفًا تربويًا؛ إذ إن للتربية أصولها، ونظرياتها، ومدارسها التي شكّلت عبر عقود طويلة مجالًا للتخصص والبحث العلمي العميق. وهي ميدان أمضى فيه التربويون سنوات من الدراسة والتجربة، بحثًا في سطورها وتطبيقاتها. من هنا، يبقى التنظير غير المرتكز إلى خبرة علمية وميدانية قاصرًا، خاصة في ظروف النزوح والمحن، حيث تتطلب القرارات التربوية حساسية عالية وفهمًا دقيقًا للواقع.

إن جوهر الإشكالية اليوم لا يكمن فقط في استمرارية التعليم، بل في تحقيق عدالته بين المتعلمين في المناطق الآمنة وأولئك الذين لجأوا إلى مراكز الإيواء. فالفجوة هنا ليست تربوية فحسب، بل تحمل أبعادًا اجتماعية ووطنية دقيقة، قد تنعكس على تماسك المجتمع اللبناني إذا لم تُعالج بحكمة. إن أي توقف في التعليم، كما يدعو البعض، من شأنه أن يوسع الهوة بين فئات المتعلمين، ويعمّق الفوارق، ويهدد وحدة النسيج الاجتماعي، خصوصًا لدى الأجيال الناشئة التي تتشكل وعيها في هذه المرحلة الحساسة.

وانطلاقًا من رؤية تربوية بحثية، يبدو من الضروري إعادة النظر في بنية البرامج التعليمية المعتمدة خلال الأزمات، بحيث يتم تكييفها مع احتياجات المتعلمين النفسية والاجتماعية. فقد بات من المهم تقليص كثافة الحصص التعليمية التقليدية، مقابل إدماج حصص مخصصة للدعم النفسي والاجتماعي، تسهم في التخفيف من آثار الصدمات وتعزز التوازن الانفعالي لدى المتعلمين. كذلك، ينبغي تعزيز حضور التربية الوطنية كمكوّن أساسي في المناهج، إلى جانب إدخال أنشطة رياضية وفنية وموسيقية، يمكن تنفيذها بالتعاون مع متطوعين داخل مراكز الإيواء، وتحت إشراف الجهات التربوية المختصة، لما لهذه الأنشطة من دور فعّال في إعادة بناء الشعور بالأمان والانتماء.

إن التعليم في زمن الحرب لا يُعد ترفًا يمكن تأجيله، بل هو واجب أخلاقي وحق أساسي، بل ويمكن اعتباره شكلًا من أشكال الصمود والمقاومة الحضارية. فالمجتمعات التي تحافظ على تعليم أبنائها في أصعب الظروف، إنما تؤسس لقدرتها على التعافي وإعادة البناء. ومن هنا، لا يمكن اختزال الاستجابة للأزمة في التعامل مع تداعياتها المادية فقط، بل يجب أن تشمل حماية المسار التعليمي كأولوية وطنية.

ويتقاطع هذا التوجه مع المبادئ التي تنادي بها الأمم المتحدة، لا سيما ما تؤكد عليه يونيسف من حق كل متعلم في التعليم والحماية النفسية، حتى في أشد الظروف قسوة. وقد شدد عدد من المفكرين التربويين على هذه الرؤية، حيث اعتبر جون ديوي أن التعليم هو الحياة نفسها، بينما رأى باولو فريري فيه أداة للتحرر وبناء الوعي، وأكدت ماريا مونتيسوري أهمية البيئة الداعمة لنمو الإنسان المتكامل، خاصة في الظروف الصعبة.

في المحصلة، إن عدالة التعليم في لبنان في زمن الحرب لا تتحقق فقط من خلال إتاحة الفرص التعليمية، بل من خلال توفير تعليم شامل، إنساني، وداعم نفسيًا واجتماعيًا، يراعي خصوصية المرحلة ويحفظ كرامة المتعلم. فالتعليم، في جوهره، هو الأمل الذي لا يجب أن ينطفئ، وهو الجسر الذي يعبر به المجتمع من واقع الألم إلى أفق التعافي والاستقرار.

وفي الختام، يبقى الاحتكام إلى العقل والمنطق ضرورة وطنية، ودعم القرارات التربوية المسؤولة واجبًا جماعيًا. فهذه المحنة، مهما اشتدت، ستمر، وسيبقى المتعلمون صُنّاع مستقبلها وأبطال نهوضها.

Educational Researcher & Academic Writer

PhD Candidate in Social Relations
Master’s in Educational Administration – Master’s in Pedagogy
Education & Social Development Specialist