إلغاء الشهادة المتوسطة: خطوة نحو تعليم أكثر إنسانية وفعالية

تعود فكرة الشهادة المتوسطة في لبنان إلى منتصف القرن العشرين، حيث اعتمدت رسميًا في عام 1951 كوسيلة لتقييم المرحلة الإعدادية من التعليم، وكانت تهدف إلى تحديد مستقبل المتعلمين الأكاديمي بناءً على امتحان نهائي واحد. ومع مرور العقود، أصبحت الشهادة محور قلق كبير للمتعلمين وأسرهم، إذ ركزت على الحفظ والتقييم الكمي أكثر من التركيز على اكتساب المهارات والمعارف الحياتية. وفي السنوات الأخيرة، أظهرت الإحصاءات الوطنية أن نسبة الراسبين في الشهادة المتوسطة كانت منخفضة جدًا، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من 85٪ من المتعلمين يجتازون الامتحانات بنجاح، ما يثبت أن النظام الحالي يفرض ضغوطًا غير ضرورية على المتعلمين دون مبرر فعلي.

تؤكد هذه الأرقام على أن الهدف الحقيقي من التعليم يجب أن يكون تنمية قدرات المتعلمين وصقل مهاراتهم، لا مجرد النجاح أو الرسوب في امتحان محدد. لذلك، أصبح من الضروري إعادة النظر في آلية التقييم، واستبدال الشهادة المتوسطة بامتحان وطني معياري يعتمد على جودة معايير التقييم المستمر، بحيث يصبح التقويم عملية متواصلة تعكس مدى تقدم المتعلم في اكتساب المعرفة والمهارات، بدلاً من الاقتصار على تقييم كمي نهائي لمرة واحدة. هذا النهج يخفف الضغط النفسي على المتعلمين ويتيح للمدارس الخاصة والرسمية في لبنان ممارسة دورها التربوي بحرية ومسؤولية، مع الحفاظ على معايير وطنية مشتركة تضمن جودة التعليم وموضوعية التقييم.

تجارب عدة دول تدعم هذا التوجه؛ ففي النرويج والسويد أُلغيت الشهادة المتوسطة منذ التسعينيات واعتمدت نظم تقييم مستمرة، بينما ركزت فنلندا على تطوير مهارات الحياة العملية والتعلم المستمر بدل الامتحانات النهائية المبكرة. تطبيق نموذج مماثل في لبنان من شأنه ربط المعرفة بمهارات حياتية حقيقية، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات، وإعداد المتعلمين لمواجهة تحديات الحياة المعاصرة. وفي هذا الإطار، يجب أن يرافق استبدال الشهادة المتوسطة بالامتحان الوطني توفير الاعتماد المادي اللازم لتطوير البنية التحتية للمدارس، وتأهيل المعلمين على أساليب التقييم الحديثة، وضمان أدوات تقييم دقيقة وفعالة، بما يحقق تعليمًا مستدامًا وعالي الجودة.

إن إلغاء الشهادة المتوسطة ليس مجرد تعديل إداري، بل هو تحول تربوي شامل يهدف إلى تخفيف الضغط على المتعلمين، إعادة الثقة بالمؤسسات التربوية، وربط التعليم بأهداف الحياة العملية، مع اعتماد تقييم مستمر يعكس أداء المتعلم بشكل حقيقي وعادل. وكما يقول التربوي الفرنسي الشهير جان بياجيه: “الهدف من التعليم هو إعداد المتعلمين للحياة، لا مجرد الامتحانات.”، فإن هذه الخطوة في لبنان تمثل بداية حقيقية لتعليم أكثر إنسانية وفعالية.

الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ وَالْقَلَمُ: عِنْدَمَا يَخْتَلِطُ الصَّوْتُ الْحَقِيقِيُّ بِالصَّوْتِ الْمَصْنُوعِ

فِي زَمَنٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ شَبَكَاتُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ فَضَاءًا وَاسِعًا لِلتَّأْثِيرِ، لَمْ يَعُدِ الْحُضُورُ الرَّقْمِيُّ مُجَرَّدَ تَرَفٍ أَوْ مِسَاحَةً لِلتَّعْبِيرِ فَحَسْبُ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةٍ قَادِرَةٍ عَلَى تَوْجِيهِ الرَّأْيِ الْعَامِّ، وَصِنَاعَةِ الصُّورَةِ، وَبِنَاءِ الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْمِهْنِيَّةِ. فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، تُسْتَخْدَمُ هٰذِهِ الْمُنَصَّاتُ لِتَبَادُلِ الْمَعْرِفَةِ وَتَطْوِيرِ الْأَفْكَارِ، لٰكِنَّ فِي لُبْنَانَ تَحْدِيدًا، يَبْدُو أَنَّ لِكُلٍّ «لَيْلَاهُ»، وَأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ خَبِيرًا، وَمُحَلِّلًا سِيَاسِيًّا، وَصَاحِبَ صَفْحَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ، وَمَلِكًا عَلَى مَنْصَّتِهِ الْخَاصَّةِ.

إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي هٰذَا الْوَاقِعِ لَيْسَ كَثْرَةَ الْأَصْوَاتِ، بَلْ غِيَابُ الْمَعَايِيرِ. فَالْكَثِيرُونَ يَتَبَاهَوْنَ بِكِتَابَاتٍ يَوْمِيَّةٍ وَمَقَالَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ عُقُولَهُمْ تَسْتَعِيرُ أَفْكَارًا جَاهِزَةً، وَتَسْتَنْجِدُ بِبَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لِتَوْلِيدِ مُحْتَوًى يُفْتَرَضُ أَنَّهُ يَعْكِسُ خِبْرَتَهُمْ. وَهُنَا يَبْدَأُ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ الْقَلَمِ الْحَقِيقِيِّ وَالصَّوْتِ الْمَصْنُوعِ، بَيْنَ الْكَاتِبِ الَّذِي يُنْتِجُ مَعْرِفَةً، وَالْكَاتِبِ الَّذِي يَسْتَهْلِكُ جُمَلًا لَيْسَتْ لَهُ.

وَلَيْسَ الْأَمْرُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُحْتَوَى، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى الْأَلْقَابِ. فَقَدْ ظَهَرَ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ أَشْخَاصٌ حَصَلُوا عَلَى دَرَجَاتٍ عِلْمِيَّةٍ رَفِيعَةٍ، بِمَا فِيهَا شَهَادَاتُ الدُّكْتُورَاه، بِطُرُقٍ مُسَهَّلَةٍ وَسَرِيعَةٍ، لَا تُقْنِعُ الْبَاحِثِينَ الْجَادِّينَ وَلَا تُلَائِمُ الْمَعَايِيرَ الْأَكَّادِيمِيَّةَ. أَصْبَحَ اللَّقَبُ مُتَاحًا لِمَنْ يَدْفَعُ، أَوْ لِمَنْ يَحْضُرُ دَوْرَةً قَصِيرَةً، بَدَلَ أَنْ يَكُونَ نَتِيجَةَ جُهْدٍ عِلْمِيٍّ طَوِيلٍ، وَتَرَاكُمِ خِبْرَةٍ، وَإِنْتَاجٍ بَحْثِيٍّ مَنْشُورٍ وَمُوَثَّقٍ وَمُحَكَّمٍ.

وَمِنَ الْمُفَارَقَاتِ الْمُؤْلِمَةِ أَنْ نَرَى مَنْ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ «دُكْتُورٌ» أَوْ «أُسْتَاذٌ جَامِعِيٌّ»، وَهُوَ لَا يُتْقِنُ لُغَتَهُ الْأُمَّ، وَلَا يَمْتَلِكُ أَدَوَاتِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ، وَلَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ بِلُغَةٍ سَلِيمَةٍ — لَا عَرَبِيَّةً وَلَا أَجْنَبِيَّةً. بَعْضُهُمْ لَا يُجِيدُ حَتَّى صِيَاغَةَ جُمْلَةٍ بَسِيطَةٍ دُونَ الْوُقُوعِ فِي أَخْطَاءٍ فَادِحَةٍ، ثُمَّ يَلْجَأُ إِلَى ChatGPT وَغَيْرِهِ مِنْ أَدَوَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ لِيَكْتُبَ عَنْهُ، وَيُحَاوِرَ عَنْهُ، وَيُحَلِّلَ مَكَانَهُ.

لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي اسْتِخْدَامِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ؛ فَهٰذِهِ الْأَدَوَاتُ جُزْءٌ مِنَ الْعَصْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ سَنَدًا مُهِمًّا لِلْبَاحِثِ الْحَقِيقِيِّ. الْمُشْكِلَةُ تَكْمُنُ فِي الِانْتِحَالِ: فِي أَنْ يَنْسِبَ الْإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَنْ يَبْنِيَ مَكَانَتَهُ عَلَى مُحْتَوًى مُسْتَعَارٍ، لَا عَلَى جُهْدٍ فِكْرِيٍّ أَصِيلٍ. فَالْكِتَابَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَالْفِكْرُ أَمَانَةٌ، وَالْأَلْقَابُ الْعِلْمِيَّةُ لَيْسَتْ زِينَةً نُعَلِّقُهَا، بَلْ مَنْهَجَ حَيَاةٍ يَلِيقُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا.

إِنَّ مُجْتَمَعًا لَا يَحْتَرِمُ الْمَعْرِفَةَ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْكَاتِبِ وَالنَّاسِخِ، وَلَا بَيْنَ الْبَاحِثِ وَالْمُتَكَلِّفِ، سَيَجِدُ نَفْسَهُ غَارِقًا فِي ضَوْضَاءِ الْأَصْوَاتِ، عَاجِزًا عَنْ سَمَاعِ الْحَقِيقَةِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي مَسْؤُولِيَّةُ الْمُؤَسَّسَاتِ الْأَكَّادِيمِيَّةِ، وَالْهَيْئَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَالْمُجْتَمَعِ نَفْسِهِ، فِي إِعَادَةِ الِاعْتِبَارِ لِلْقِيَمِ الْأَصِيلَةِ: الِإِتْقَانُ، وَالصِّدْقُ الْعِلْمِيُّ، وَاحْتِرَامُ اللُّغَةِ، وَصَوْنُ الْأَلْقَابِ مِنَ الِابْتِذَالِ.

فِي عَصْرٍ يَتَقَدَّمُ فِيهِ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ، لَا نَحْتَاجُ إِلَى الْمَزِيدِ مِنَ «الْخُبَرَاءِ الْمُصْطَنَعِينَ»، بَلْ إِلَى أَصْوَاتٍ صَادِقَةٍ، تَحْتَرِمُ الْقَلَمَ، وَتُقَدِّرُ الْمَعْرِفَةَ، وَتُدْرِكُ أَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْقِفٌ لَا يُصْنَعُ بِضَغْطَةِ زِرٍّ، بَلْ يُبْنَى عَلَى جُهْدٍ، وَقِرَاءَةٍ، وَتَجْرِبَةٍ، وَمَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّعَلُّمِ الْحَقِيقِيِّ.

اليوم الأوّل… من بوابة للتعلّم إلى مهرجان استهلاكي

لم يعد اليوم الأوّل في المدرسة مجرّد لحظة انطلاق لعام دراسي جديد، بل تحوّل في كثير من المؤسسات التربوية إلى ما يشبه مهرجاناً صاخباً تتداخل فيه الألوان والألعاب والموسيقى، وتغيب عنه أحياناً روح التعليم التي يفترض أن تكون محور اللقاء. ما كان في الماضي يوماً لاستقبال المتعلمين بحفاوة هادئة، بات اليوم عرضاً تسويقياً يستقطب الأهالي كما يستقطب الصغار.

لا شك أن الفرح عنصر أساسي في عملية التعلّم. المتعلّم الذي يبدأ عامه بابتسامة وإحساس بالأمان ينخرط في الصف بثقة أكبر ويكتسب قابلية أعلى للاستكشاف والمبادرة. وتشير أبحاث علم النفس التربوي إلى أن المشاعر الإيجابية ترفع مستوى الانتباه، وتعزز القدرة على التذكّر، وتشجّع على الإبداع. لكن الفرح الحقيقي لا يُقاس بحجم الموسيقى أو ألوان البالونات، بل بمدى شعور المتعلّم بأن المدرسة مكانٌ مرحّبٌ به، يسمع صوته ويحترم احتياجاته.

«الفرح في المدرسة ليس ترفاً، بل شرط لنجاح التعلم. لكنه فرح نابع من التقدير والأنشطة الهادفة، لا من مظاهر استهلاكية عابرة.»

مع ذلك، تتنافس المدارس في إعداد أنشطة مبهرة: منصات تصوير، ألعاب نط وقفز، فرق موسيقية، وشخصيات كرتونية، حتى أصبح التفوّق في الإبهار معياراً غير معلن لجذب العائلات. ويذهب بعض المنظّمين أبعد من ذلك فيوفّرون أطعمة وحلويات وسكاكر ومشروبات ملوّنة يعلم الجميع أنها مضرة بالصحة، في الوقت الذي تمتلئ فيه نشرات المدرسة نفسها بالتوصية بتجنّب هذه المأكولات

«ما يُقدَّم من سكاكر ومشروبات غنية بالسكّر في أول يوم دراسي ينسف جهود الأهل والمعلمين في غرس عادات صحية. المتعلّم يربط الفرح بالمضرّ، وهذه معادلة خطيرة»

هذا التناقض يثير تساؤلات جادة حول دور المؤسسة التربوية: كيف يمكن لمدرسة تُحذّر طوال العام من استهلاك السكّر أن تبدأ عامها الدراسي بتوزيعه بكثرة؟ وكيف يمكن أن تزرع في نفوس المتعلمين قيم الاعتدال والصحة إذا كانت أول رسالة عملية تصلهم هي الاحتفاء بما يُضرّهم؟

ورغم هذا الواقع، يمكن للمدارس أن تحقق أجواءً مبهجة من دون استعراض تجاري أو أطعمة مضرّة، من خلال أنشطة أكثر عمقاً وإنسانية، تُشعر المتعلّم بالسعادة الحقيقية وتغرس قيماً تربوية وصحية في الوقت نفسه. من هذه الأفكار

لقاءات تعارف حقيقية بين المعلمين والمتعلمين، حيث يُتيح المعلمون للمتعلمين التعبير عن مشاعرهم وتطلعاتهم، ويشاركونهم بدورهم بعض القصص القصيرة أو المواقف الطريفة. هذا الحوار المباشر يخفف رهبة البداية ويؤسس لثقة متبادلة من اليوم الأول

ألعاب حركية أو فنية داخل الصفوف والساحات مثل الرسم الجماعي أو بناء مجسمات بسيطة أو سباقات تعاونية، وهي أنشطة تعزز روح التعاون والانتماء، وتدعو المتعلّم إلى التفاعل مع زملائه بعيداً عن أجواء التنافس التجاري

رسائل ترحيب شخصية تُكتب بخط اليد أو تُقدم كبطاقات صغيرة تحمل اسم كل متعلّم وكلمة تشجيعية، لتُشعره بأن له مكانة خاصة في قلب المدرسة، وأنه فرد مميز في جماعة متكاملة

تقديم وجبات صحية مبتكرة مثل الفواكه المقطعة بأشكال مرحة أو السندويشات المزينة بعناية. يمكن إشراك المتعلمين في إعداد بعض هذه الوجبات في حصص قصيرة، ليكتسبوا عادة تناول طعام صحي بطريقة ممتعة

و أقول دائماً إنّ
«المدرسة التي تُشعر المتعلّم بفرح حقيقي خلال حوار واهتمام وأنشطة تعليمية ممتعة، هي التي تزرع في قلبه حبّ العلم، لا حبّ الاستعراض.»

إن مثل هذه الأنشطة لا تخلق أجواء مبهجة فحسب، بل تُعزز أهدافاً تربوية عميقة: بناء الثقة، تنمية المهارات الاجتماعية، وتشجيع السلوكيات الصحية. الأهم أنها تمنح المدرسة فرصة لتقديم نفسها كبيئة تعليمية أصيلة، حيث يكون التسويق في جودة التجربة التعليمية لا في بريق المظاهر

وفي خلفية هذا المشهد يبرز بعدٌ آخر لا يقلّ خطورة: التسويق للمؤسسة نفسها. فالمهرجان الملوّن ليس مجرد مبادرة للترحيب بالمتعلمين، بل وسيلة غير مباشرة لإقناع الأهالي بأن هذه المدرسة «الأكثر فرحاً وحداثة»، ولو كان الثمن تشويه الأولويات التربوية. ومع اتساع المنافسة بين المدارس، تتناقص الحدود الفاصلة بين العمل التربوي والحدث التجاري

ولعلّ السؤال الأعمق هو: هل هذه المهرجانات صدى لرغبة بعض الإدارات في كسب ثقة الأهل واستقطاب الأقساط من خلال استعراضات تُوحي بالرقي والحداثة؟ أم أنها موجة من «الفُشار» الاجتماعي التي تتغذّى على واقع ابتعدت فيه بعض العائلات عن مبادئ التربية الأصيلة، حتى باتت راحة المتعلّم النفسية تُفهم بطرق لا أساس لها في العلم التربوي؟

إن الفرح في المدرسة ضرورة تربوية، لكنه لا يحتاج إلى مظاهر استهلاكية. الفرح الذي يرافق التعلّم هو ذلك الذي يترك أثراً طويل الأمد: ابتسامة معلّم صادق، نشاط جماعي يخلق ذكريات، وكلمة ترحيب تشجع المتعلّم على الإبداع. عندها تصبح المدرسة مكاناً يحتفل بالحياة كل يوم، لا في مهرجان عابر.٠

الفَسَادُ مِنَ الشَّعْبِ فِي لُبْنَانَ: قَبْلَ أَنْ نُحَاسِبَ الحُكُومَةَ، هَلْ نُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا؟

لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَنْظُرَ الشَّعْبُ فِي مِرْآةِ ذَاتِهِ. فَفِي الأَزْمَاتِ، نَمِيلُ إِلَى بَسْطِ التُّهْمَةِ عَلَى “الآخَرِ”، خَاصَّةً إِذَا كَانَ هَذَا الآخَرُ هُوَ السُّلْطَةُ، أَوْ مَنْ يَتَحَكَّمُ بِمَصِيرِ النَّاسِ وَمَوَارِدِهِمْ. وَفِي الحَالَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ، حَيْثُ يَتَدَاوَلُ المُوَاطِنُونَ كَلِمَاتٍ كَـ”السَّرِقَةِ” وَ”الفَسَادِ” وَ”المُحَاصَصَةِ” بِسُهُولَةٍ، يُصْبِحُ مِنَ البَدَاهَةِ أَنْ تُلْقَى كُلُّ المَسْؤُولِيَّةِ عَلَى الحُكُومَةِ وَالنُّخَبِ السِّيَاسِيَّةِ. وَلَكِنَّ التَّحَوُّلَ الجُرْأَةِ حَقِيقَةً يَبْدَأُ عِنْدَمَا نَسْأَلُ: مَا دَوْرُنَا نَحْنُ فِي كُلِّ مَا جَرَى وَيَجْرِي؟ هَلْ نَحْنُ بَرِيئُونَ مِنَ الفَسَادِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟

فِي خِضَمِّ الأَزْمَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ المُسْتَعْصِيَةِ، تَتَّجِهُ أَصَابِعُ الاِتِّهَامِ دَوْمًا نَحْوَ الحُكُومَةِ وَالسُّلْطَةِ، وَيُرَكِّزُ الشَّعْبُ غَضَبَهُ عَلَى المَسْؤُولِينَ، مُتَّهِمًا إِيَّاهُمْ بِالنَّهْبِ وَالفَسَادِ وَالإِخْفَاقِ. وَلَكِنْ، بَيْنَ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِنَ الغَضَبِ وَالنَّقْمَةِ، يَبْدُو أَنَّ السُّؤَالَ الأَخْطَرَ وَالأَشْجَعَ هُوَ: هَلْ نَحْنُ نُؤَدِّي وَاجِبَاتِنَا كَمُواطِنِينَ، قَبْلَ أَنْ نُطَالِبَ الحُكُومَةَ بِوَاجِبَاتِهَا؟

فَالفَسَادُ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى السِّيَاسَةِ وَالدَّوْلَةِ، بَلْ يَتَسَلَّلُ إِلَى التَّفَاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ: رَشْوَةٌ صَغِيرَةٌ، تَزْوِيرُ مَعَامَلَةٍ، رَمْيُ نُفَايَاتٍ فِي الشَّارِعِ، تَجَاوُزُ إِشَارَةِ سَيْرٍ، اِسْتِخْدَامُ الوَاسِطَةِ، أَوِ التَّهَرُّبُ مِنَ الضَّرَائِبِ. وَكُلُّهَا تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ ثَقَافَةٍ فَاسِدَةٍ تُطَبِّعُ مَعَ الخَطَأِ، وَتُجَمِّلُ القَبِيحَ، وَتُغَذِّي التَّفَلُّتَ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ. فَكَيْفَ نُرِيدُ بِنَاءَ دَوْلَةٍ عَادِلَةٍ، وَنَحْنُ نَكْسِرُ قَوَاعِدَ العَدَالَةِ فِي سُلُوكِنَا اليَوْمِيِّ؟ فِي ظِلِّ هَذِهِ البِيئَةِ، تَصِيرُ العَلَاقَةُ مَعَ القَانُونِ نَفْعِيَّةً: نُرِيدُهُ عِنْدَمَا يُفِيدُنَا، وَنَتَجَاوَزُهُ عِنْدَمَا يُقَيِّدُنَا. وَهُنَا يَكْمُنُ الجَذْرُ العَمِيقُ لِلمُشْكِلَةِ: نَحْنُ نُطَالِبُ بِالحُقُوقِ، وَلَكِنْ نَتَسَاهَلُ فِي الوَاجِبَاتِ، فَنُفْقِدُ التَّوَازُنَ الأَسَاسِيَّ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ أَيَّةُ دَوْلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.

وَإِذَا كُنَّا نُحَمِّلُ السِّيَاسِيِّينَ وَالحُكُومَاتِ وِزْرَ الفَسَادِ، فَيَجِبُ أَنْ نَعْتَرِفَ أَيْضًا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُمَثِّلُ الطَّوَائِفَ وَالأَحْزَابَ فِي لُبْنَانَ قَدْ شَارَكَ فِي الحُكُومَاتِ مُنْذُ اغْتِيَالِ رَفِيقِ الحَرِيرِي فِي شُبَاطَ 2005 وَحَتَّى اليَوْمِ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُطَالِبُ بِـ “حِصَّتِهِ” فِي الوِزَارَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، وَيُقَدِّمُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ “إِرْثِ أَبِيهِ”، وَلَيْسَ كَخَادِمٍ لِلصَّالِحِ العَامِّ. وَفِي ظِلِّ غِيَابِ المُرَاقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ، صَارَ كُلُّ حِزْبٍ يُسَطِّرُ بِقَلَمِهِ مَا يَسْعَى لِجَنْيِهِ، وَيَتَنَافَسُونَ عَلَى المَكَاسِبِ، نَاسِينَ فِكْرَةَ “الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ”. وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الدَّوْلَةَ تُكْثِرُ مِنَ القَوَانِينِ وَالقَرَارَاتِ، لَكِنَّهَا لَا تُطَبِّقُهَا عَلَى أَحَدٍ، وَلَا تُحَاسِبُ مَنْ يُخَالِفُهَا، فَتُسَاهِمُ بِذَلِكَ فِي اِسْتِسْهَالِ الفَوْضَى وَتَبْرِيرِهَا بِـ “ضَعْفِ بِنْيَةِ الدَّوْلَةِ”! وَهَكَذَا يُصْبِحُ كُلُّ خَلَلٍ مَقْبُولًا، وَكُلُّ خُرُوقٍ مُبَرَّرًا، وَكُلُّ جِنَايَةٍ دُونَ عِقَابٍ. وَفِي هَذِهِ البِيئَةِ، تَسْقُطُ أَسُسُ الوَطَنِ وَتَسُودُ “الغَابِيَّةُ” السِّيَاسِيَّةُ وَالاِجْتِمَاعِيَّةُ.

فَلْنَكُنْ صَادِقِينَ: مَا لَمْ نُصْلِحْ أَنْفُسَنَا، لَنْ نُصْلِحَ الدَّوْلَةَ. وَمَا لَمْ نُرَبِّي أَجْيَالًا تُقَدِّسُ الأَمَانَةَ وَالقَانُونَ، فَسَتَبْقَى الوَطَنِيَّةُ شِعَارًا فَارِغًا، وَسَيَبْقَى الفَسَادُ ثَقَافَةً مُتَجَذِّرَةً فِي العُقُولِ وَالسُّلُوكِ. إِنَّ الإِصْلَاحَ الحَقِيقِيَّ لا يَبْدَأُ بِتَغْيِيرِ الوُجُوهِ، بَلْ بِتَغْيِيرِ النُّفُوسِ، وَبِزَرْعِ قِيمِ المُوَاطَنَةِ الصَّادِقَةِ، وَبِنَاءِ وَعْيٍ جَمَاعِيٍّ يُرَاقِبُ، وَيُصَحِّحُ، وَيُحَاسِبُ. فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا الدَّائِمُ:
“نُحَاسِبُ الحُكُومَةَ، نَعَمْ… وَلَكِنْ نَبْدَأُ بِأَنْفُسِنَا أَوَّلًا.”

المُعلِّمُ أولًا: إشرافٌ تربويٌّ يَصنعُ مستقبلَ المؤسسات التربوية

في ظِلِّ الأزماتِ المتلاحقةِ التِي تعصفُ بالقطاعِ التربويِّ في لبنانَ، من تراجعِ الإمكاناتِ الماديَّةِ، وضُغوطِ العملِ الهائلةِ، وهجرةِ الكفاءاتِ، تبرزُ الحاجةُ الملحّةُ إلى إعادةِ النظرِ الجذريةِ في موقعِ المعلمِ ودورهِ في المدرسةِ الحديثةِ. لم يعدِ المعلمُ مجرّدَ منفّذٍ للخططِ التعليميةِ أو ناقلٍ للمعلوماتِ، بل أصبحَ جوهرَ العمليةِ التربويةِ وروحَها، وبدونهِ لا يمكنُ تحقيقُ أيِّ إصلاحٍ أو تطويرٍ حقيقيٍّ. المعلمُ اليومَ يواجهُ بيئةً صعبةً مليئةً بالتحدياتِ اليوميةِ التِي تبدأُ بضعفِ المواردِ وانعدامِ الاستقرارِ الوظيفيِّ، ولا تنتهي باضطرابِ الأحوالِ النفسيةِ والاجتماعيةِ للمتعلمينَ أنفسِهم. ومع ذلك، لا تزالُ بعضُ المؤسساتِ التربويةِ، تتعاملُ مع المعلمِ بمنطقِ “الربح، و الخسارة”، إذا تعثّرَ أو ضعفَ، يُستبدلُ بسرعةٍ كأيِّ منتجٍ تجاريٍّ في السوق، بلا ترددٍ، متجاهلةً أن المعلمَ ليس سلعةً بل هو الإنسانُ التِي يحملُ في قلبهِ رسالةَ التربيةِ قبلَ أن يحملَ في يدهِ طبشورةَ التعليمِ.

إنَّ المدرسةَ ليست متجرًا، والمعلمُ ليس بضاعةً قابلةً للإلغاء عندَ أولِ خطأٍ أو أولِ هفوةٍ. بل على العكسِ، إنَّ نجاحَ المدرسةِ وتقدّمها وجودةَ مخرجاتِها تبدأُ من المعلمِ نفسهِ، من تعزيزِ كفاءتِهِ، دعمِ نفسيّتِهِ، وتوفيرِ بيئةٍ مهنيةٍ آمنةٍ تتيحُ لهُ النموَّ والتطورَ، تمامًا كما نطالبُ المتعلّمَ بأن يتعلّمَ على مهلٍ ويخطئَ ويتحسّنَ. من هنا، يصبحُ الإشرافُ التربويُّ وظيفةً إنسانيةً عميقةً قبلَ أن يكونَ مجرّدَ وظيفةٍ رقابيّةٍ أو تقويميةٍ. إشرافٌ لا يقتصرُ على قياسِ الأداءِ وتسجيلِ النقاطِ، بل يتّجهُ نحو احتضانِ المعلمِ في سنواتِهِ الأولى، ومرافقتهُ بخطى ثابتةٍ، ليعيدَ تشكيلَ كفاياتِهِ تدريجيًا وفقَ حاجاتِهِ الواقعيةِ، لا وفقَ توقعاتٍ نظريةٍ قديمةٍ أو معاييرَ نمطيةٍ.

وفي هذا السياقِ، تزدادُ الحاجةُ إلى خطةٍ إشرافيّةٍ تراعي هذهِ الأبعادَ الإنسانيةَ والمهنيةَ، خاصةً في لبنانَ الذي يرزحُ تحت وطأةِ أزماتٍ متعدّدةٍ أثّرتْ بعمقٍ على المدرسةِ والمعلمِ والمتعلّمِ معًا. فالمعلمُ التِي يتمتّعُ بثقةٍ مهنيةٍ ودعمٍ إشرافيٍّ سليمٍ، قادرٌ على النهوضِ بصفّهِ، وإحداثِ فرقٍ حقيقيٍّ في تعلمِ المتعلمينَ، بغضِّ النظرِ عن صعوبةِ الظروفِ. ولعلَّ أفضلَ ما يختصرُ هذهِ الفكرةَ ما قالَهُ التربويُّ العالميُّ “جون ديوي”: “إذا علّمنا اليومَ كما كنّا نعلّم بالأمسِ، فإنّنا نسرقُ أطفالنا مستقبلَهُم.” وهذا ينطبقُ أيضًا على المعلمِ نفسهِ: إذا لم نشرفْ عليهِ اليومَ بطريقةٍ تراعي تحوّلاتِ العصرِ، فإنّنا نفقدُهُ مستقبلَهُ المهنيَّ وفرصتَهُ الحقيقيةَ للنموِّ.

أهميةُ الإشرافِ المرافقِ لمسيرةِ المعلمِ

يتخرجُ معظمُ المعلمينَ من الجامعاتِ بشهاداتٍ في التعليمِ، أو حتى في اختصاصاتٍ غيرِ تربويةٍ كالْهندسةِ، الرياضياتِ، أو العلومِ، لينتقلوا فجأةً إلى عالمِ المدرسةِ الحقيقيِّ المليءِ بالتحدياتِ المتغيرةِ، الذي يختلفُ كليًا عمّا تعلّموهُ في قاعاتِ المحاضراتِ. في الواقعِ، تنقسمُ مسيرةُ المعلمِ الجديدِ إلى ثلاثِ مراحلَ رئيسيّةٍ ينبغي على المشرفينَ التربويينَ مواكبتها بذكاءِ وتفهمٍ:

السنةُ الأولى: سنةُ الاكتشافِ، فيها يتعرّفُ المعلمُ على بيئةِ المدرسةِ، سلوكِ المتعلّمينَ، طبيعةِ الصفوفِ، ضغوطِ المهنةِ، ومتطلباتِ الإدارةِ، ما يجعلهُ عرضةً للارتباكِ والترددِ، لكنه يظلُّ حيويًّا متحمّسًا.

السنةُ الثانية: سنةُ التوجيهِ والتزويدِ بالكفاياتِ، بعد مرحلةِ الصدمةِ الأولى، يصبحُ المعلمُ أكثرَ استعدادًا لتلقي التوجيهِ، ويحتاجُ لدعمٍ مباشرٍ لتطويرِ أدواتِهِ: تخطيطُ الدروسِ، ضبطُ الصفِّ، التقييمُ البديلُ، واستراتيجياتُ التعليمِ النَّشطِ.

السنةُ الثالثة: سنةُ التمكينِ والقرارِ، هنا تظهرُ معالمُ شخصيةِ المعلمِ المهنيةِ؛ هل نجحَ في تطويرِ ذاتهِ؟ هل قرّرَ الاستمرارَ في المهنةِ؟ هل أصبحَ مؤهَّلًا ليقودَ الصفَّ باستقلاليةٍ وثقةٍ؟

حين يتخرّجُ المعلمُ من الجامعةِ حاملًا إجازةً تعليميةً، أو حتى إجازةً في اختصاصٍ آخرَ كالرياضياتِ أو العلومِ، يظنُّ البعضُ أنّه باتَ مؤهَّلًا لخوضِ الميدانِ التربويِّ فورًا بكفاياتٍ مكتملةٍ. لكنّ الواقعَ التربويَّ في المدارسِ – خاصّةً في لبنانَ – أثبتَ أنَّ هذه الكفاياتِ لا تكتملُ إلّا بالتجربةِ الميدانيةِ والمرافقةِ الإشرافيّةِ الحكيمةِ. فالعامُ الأولُ في حياةِ أيِّ معلمٍ جديدٍ هو عامُ الاكتشافاتِ: يكتشفُ ذاتهُ، صفوفَهُ، واقعهُ، صدماتهُ، وصدقهُ المهنيَّ. أمّا العامُ الثاني، فهو عامُ التوجيهِ وتزويدهِ بما يحتاجُهُ من استراتيجياتٍ وأدواتٍ واقعيةٍ غيرِ تلكَ التِي تلقّاها نظريًّا في الجامعةِ. أمّا العامُ الثالث، فهو عامُ جني النتائجِ واتخاذِ القرارِ: هل هو مستمرٌّ في هذا المسارِّ؟ هل حقّق تقدّمَهُ؟ هل تخطّى مخاوفَهُ؟

لِهذَا، فإنَّ كلَّ معلمٍ جديدٍ بحاجةٍ ماسّةٍ لفرصةٍ حقيقيةٍ لاختبارِ نفسهِ في ظلِّ دعمٍ متواصلٍ، وليسَ لحكمٍ مبكّرٍ يقضي عليهِ في أولِ تعثّرٍ. إنَّ غيابَ هذهِ الفرصةِ يحوّلُ الإشرافَ إلى ما يشبهُ ممارسةَ “تلحصانِ الميتِ” – حيث نفترضُ أنَّ المعلمَ قد فشلَ منذ البدايةِ، فنمارسُ عليهِ إشرافًا سلبيًّا يقتلهُ نفسيًّا قبلَ أن يمنحَ فرصتَهُ الحقيقيةَ. بينما في الواقعِ، هذا “الحصانُ” حيٌّ، مليءٌ بالحماسِ، والرغبةِ في الإنجازِ، فقط بحاجةٍ لمن يعلمهُ كيفَ يركضُ بأمانٍ وثقةٍ.

إنَّ الإشرافَ الإيجابيَّ المرافقَ منذ السنةِ الأولى كفيلٌ بأن يجعلَ هذا المعلمَ عنصرًا ناجحًا في المدرسةِ، لا مجرّدَ رقمٍ مؤقتٍ ينتظرُ استبدالهُ. ولا يمكنُ لأيِّ إشرافٍ أن يحقّقَ هذا الدورَ إذا كان سلبيًّا، ناقدًا فقط، خاليًا من الإيمانِ بقدرةِ المعلمِ على النموِّ والتغييرِ. من هنا، تأتي خطةُ الإشرافِ هذه لتمنحَ كلَّ معلمٍ – مهما كان تخصصهُ أو ظروفهُ – فرصةً للنجاحِ الحقيقيِّ والتطورِ المتدرّجِ خلال ثلاثِ سنواتٍ، تنقلهُ من الاكتشافِ، إلى التوجيهِ، ثمَّ إلى التمكينِ والقرارِ الواعيِ.

أهدافُ الخطةِ الإشرافيّةِ

تطويرُ الكفاياتِ التدريسيّةِ، رفعُ مستوى مهاراتِ المعلمينَ في تخطيطِ، تنفيذِ، وتقييمِ الدروسِ، مع توظيفِ استراتيجياتِ تدريسٍ متنوعةٍ وفعّالةٍ تلائمُ السياقَ اللبنانيَّ. تعزيزُ النموِّ المهنيِّ المستمرِّ، تشجيعُ المعلمينَ على مواصلةِ التعلّمِ الذاتيِّ والمشاركةِ في الدوراتِ التدريبيةِ والأنشطة المهنيةِ، لمواكبةِ المستجدّاتِ التربويّةِ. تحسينُ البيئةِ الصفيّةِ، تهيئةُ مناخٍ تعليميٍّ محفّزٍ، يضمنُ الشعورَ بالأمانِ والتقديرِ للمعلمِ والمتعلّمِ على السواءِ، ويعزّزُ التفاعلَ والانخراطَ الصفيَّ. رفعُ مستوى التحصيلِ الدراسيِّ للمتعلمينَ، تحقيقُ تحسّنٍ ملموسٍ في نواتجِ التعلّمِ عبر تحسينِ جودةِ التدريسِ وتقديمِ الدعمِ الأكاديميِّ والنفسيِّ المناسبِ للمتعلمينَ.

استراتيجياتُ الإشرافِ المعتمدةُ

الإشرافُ الصفيُّ المباشرُ، تنفيذُ زياراتٍ صفّيّةٍ منهجيّةٍ يعقبُها جلساتُ تغذيةٍ راجعةٍ تشاركيّةٍ مع المعلمينَ. الإشرافُ التطوّريُّ الفرديُّ، تصميمُ خططِ نموٍّ مهنيّةٍ خاصةٍ بكلِّ معلمٍ وفق نقاطِ قوّتهِ وضعفهِ. الإشرافُ المتعدّدُ الوسائطِ، تنظيمُ دروسٍ نموذجيّةٍ، ورشٍ تربويّةٍ، زياراتٍ تبادليّةٍ بين المعلمينَ، ونشراتٍ تعليميّةٍ تثقيفيّةٍ. الإشرافُ التدريبيُّ، تنفيذُ برامجَ تدريبيّةً متخصّصةً ترتكزُ على مهاراتِ التعليمِ النشطِ، التقويمِ البديلِ، استراتيجياتِ الدمجِ، وغيرها. الإشرافُ الميدانيُّ المستمرُّ، ضمانُ تواجدِ المشرفِ المقيمِ في المدرسةِ لمرافقةِ المعلمينَ ميدانيًّا وتقديمِ الدعمِ العمليِّ المباشرِ.

آليّاتُ تنفيذِ الخطةِ

وضعُ خطةِ عملٍ مرحليّةٍ، تحديدُ الأهدافِ والأنشطةِ لكلِّ سنةٍ، توزيعُ المسؤولياتِ، وضبطُ الجداولِ الزمنيّةِ بدقّةٍ. توفيرُ بيئةِ دعمٍ متكاملةٍ، تأمينُ المستلزماتِ الماديّةِ والتقنيّةِ، وتقديرُ جهودِ المعلمينَ معنويًّا ومهنيًّا. عقدُ لقاءاتٍ دوريّةٍ، تنظيمُ اجتماعاتٍ إشرافيّةٍ شهريّةٍ لمناقشةِ سيرِ العملِ، تبادلِ الأفكارِ، ومعالجةِ الصعوباتِ. تقديمُ تغذيةٍ راجعةٍ فعّالةٍ، إعدادُ تقاريرَ مفصلةٍ لكلِّ معلمٍ تتناولُ نقاطَ القوّةِ والفرصَ التطويريّةِ، مع توصياتٍ عمليّةٍ محدّدةٍ. تقييمُ الأداءِ بشكلٍ دوريٍّ، تنفيذُ أدواتِ تقييمٍ شاملةٍ (ملاحظةٌ صفّيّةٌ، مقابلاتٌ فرديّةٌ، استبياناتٌ) لمراقبةِ التقدّمِ وتوجيهِ خططِ التطويرِ.

الخاتمةُ

في ظلِّ التَّحوُّلاتِ العميقةِ التي تَشهَدُها المدرسةُ اللبنانيَّةُ، لم يَعُدْ مَقْبولًا التَّعامُلُ معَ المُعلِّمِ كعُنْصُرٍ قابِلٍ للإلغاءِ أو الإقصاءِ عندَ أوَّلِ تَعَثُّرٍ. بل باتَ مِنَ الضَّروريِّ تَبَنِّي فَلسفةٍ إشرافيَّةٍ قائمةٍ على الإيمانِ بِقُدْرَةِ المُعلِّمِ على التَّعَلُّمِ، والنُّموِّ، والتَّجَدُّدِ، مَتى ما أُتِيحَتْ لهُ البِيئَةُ الحاضِنةُ والدَّعمُ المُناسِبُ.

إنَّ هذه الخُطَّةَ الإشرافيَّةَ المُمَتِّدَةَ على ثلاثِ سَنَواتٍ تُمَثِّلُ استِجابَةً حَقيقيَّةً لهذِهِ الحاجَةِ، إذ تَضَعُ المُعلِّمَ في مَركَزِ الاهتِمامِ، وتُوَفِّرُ لهُ مَسارًا مِهَنيًّا مُتَدَرِّجًا يُعيدُ إِليهِ ثِقَتَهُ بِنَفسِه، ويُعيدُ للمدرسةِ دَورَها كَحاضِنَةٍ للنُّمُوِّ البَشَريِّ قَبلَ أَن تَكونَ مُؤسَّسَةً لِلنَّتائِجِ وَالأَرقَامِ.

إنَّ إصلاحَ التَّعليمِ في لبنانَ يَبدأُ مِن هُنا: مِن تَمكينِ المُعلِّمِ ليُصبِحَ صانِعًا حقيقيًّا لِلتَّغْييرِ، لا مُجرَّدَ مُنفِّذٍ لِسِياساتٍ مَرسَلةٍ مِن الخَارجِ.

ويَصدُقُ في هذَا المَقَامِ قَولُ التَّربويِّ العَربيِّ الدُّكتورِ عَبدُ الرَّحمنِ بِدوي: “المُعلِّمُ هُوَ الَّذي يَصنَعُ الأُمَّةَ، فَإن أَحسَنا تَكوينَهُ أَطلَقنا طاقاتِ الأُمَّةِ بِأسرِها.”

السَّادةُ المُرَبُّونَ والمُشرِفونَ الأفاضل، إِنَّ مَسؤوليَّتَكُم عَظيمةٌ في رِعايةِ المُعلِّمِ ومُرافقتِه في رِحلَتِه المِهَنيَّةِ، لِتَكونَ المدرسةُ حَقًّا مَنَبَعَ إشراقٍ وعطاءٍ مُستدامٍ.