غزة تقاوم الجوع، والعرب يقاومون الحرج.

بقلم د. وشاح فرج:
في هذه الأيام الحالكة، لا نحتاج إلى صور لنبكي، ولا إلى أخبار لنغضب. ما يجري في غزة لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى ضمير. إلى قلب لا يزال ينبض بشيء من الإنسانية. إلى روح لم تغرق بعد في وحل التطبيع.
نقف أمام مشهد يتجاوز قدرة اللغة على الوصف: طفل لا يقوى على الوقوف من شدة الجوع، حشود من الجائعين، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، يتهافتون وهم يحملون أطباقاً وعلباً فارغة، يركضون نحو مكان توزيع الطعام وكأنهم يركضون نحو الحياة ذاتها. ومنهم من لا يصل، يسقط قبل أن يبلغ المكان المقصود، يودع الدنيا جوعاً في زمن الفائض الغذائي. فهل بقي بعد هذه الصورة معنى للعروبة؟ هل بقي في قواميسنا ما يمكن أن نكتبه ولا نشعر بالخزي؟
أي جرح هذا الذي يذل الإنسان إلى هذا الحد؟ وأي خزي نعيشه نحن حين نرى المشهد، فنقلب الصفحة أو نمر عليه كأنه خبر عابر في نشرة مسائية؟
غزة هاشم، التي قاومت بالحجر، والتي صمدت تحت الحصار، والتي أنجبت رجالاً لا يساومون، تجوع اليوم، لا لشيء سوى لأنها قالت: لا. لأنها ما زالت تمسك بمفتاح بيتها، وترفض أن توقع على وثيقة النسيان.
ما يجري ليس عابراً. إنها وصمة عار سوداء في جبين أمة اعتادت أن تزايد على فلسطين في خطبها، وتخذلها في أفعالها. أصبح التمسك بالكرسي أغلى من التمسك بالقضية، وأصبحت بعض العواصم ترى في الصمت سياسة، وفي التطبيع شطارة، وفي المقاومة عبئاً يجب التخلص منه.
لكن، هل يعقل أن يجوع شعب بكامله في القرن الحادي والعشرين؟ كيف تصل المجاعة إلى أهل الأرض المباركة في زمن الأقمار الصناعية، والاتصالات العابرة للقارات، ومليارات الدولارات التي تهدر على كماليات الترف العربي؟
الجواب واضح، ومخجل: لأن العالم بكل حضارته المزعومة، يرضى بذلك، أو على الأقل يصمت عنه. ولأن الأنظمة التي كانت يجب أن تدافع، اختارت أن تدير ظهرها، وتكتفي بالعبارات الجاهزة.
نحن اليوم أمام مفارقة مروعة: الإنسان الفلسطيني يعاقب لأنه بقي إنساناً. لأنه رفض أن يتحول إلى رقم في معادلة الإذلال، أو إلى لاجئ بلا هوية، أو إلى تابع يصفق للمحتل ويطلب منه اللقمة بثمن الصمت.
لكن، وسط هذا السواد، تبقى شعلة. تبقى تلك القلة التي ما زالت تؤمن أن فلسطين ليست خريطة على جدار، بل اختبار يومي لكرامتنا جميعاً. تلك الأصوات التي، رغم القهر، تحاول أن تزرع زيتونة، أو ترسل شحنة دواء، أو تكتب كلمة مقاومة.
فلسطين اليوم، وغزة بشكل خاص، لا تطلب منا معجزة، بل ألا نخون. ألا نكذب عليها بالبيانات والاحتفالات، ثم نشارك في خنقها بقرارات صامتة أو أبواب مغلقة.
وإن كانت المجاعة قد وصلت، فاعلموا أننا لم نصل إليها صدفة. لقد مشينا نحوها بصمتنا، بخوفنا، بانشغالنا بالقشور. ومهما حاولنا أن نغسل أيدينا من هذا الدم، فلن تنسى غزة من تركها وحيدة وهي تتلوى من الجوع.
إن الجائع الذي لا يستطيع المشي إلا إن أطعمناه، هو مرآتنا. مرآة سقوطنا الجماعي، وانكشاف نفاقنا، وانهيار ما تبقى من أوهامنا القومية

د. وشاح فرج

الامام موسى الصدر، ذاكرة لا تنطفئ، وراية لا تسقط.

كنب الدكتور وشاح فرج: في الذكرى الـ47 لتغييب الإمام الصدر: الغائب الذي لم يغب، والحاضر الذي نفتقده بشدة، في حضرة الذكرى، تختلط الكلمات بالدمع، وتضيق العبارة أمام رجل لم يكن مجرد قائد، بل حالة استثنائية من الوعي والإيمان والكرامة. الإمام موسى الصدر لم يأت إلى لبنان ضيفاً، بل عاد إليه كمن يعود إلى جذوره، يحمل مشروعاً روحياً وأخلاقياً وسياسياً، يرى فيه لبنان وطناً لا طائفة، رسالة لا ساحة، إنساناً لا زعيماً.
ما أعطاه الإمام لهذا الوطن لا يقاس بالحسابات التقليدية للسياسة. لقد أعطاه معنى. أعاد تعريف الهوية الوطنية في زمن كادت تختصر فيه الطوائف بالزعامات، والانتماء بالموقع، والمظلومية بالسكوت. نهض بالطائفة الشيعية من هامش الإهمال إلى مركز الفعل، ولكن لا لينغلق بها، بل لينفتح بها على الوطن كله، ولينسج معها شبكة من العلاقات الإنسانية العابرة للانتماءات الضيقة.
اعتداله لم يكن ضعفاً، بل وعياً بأهمية التوازن الوطني، وغيرته على لبنان لم تكن عاطفة، بل مشروعاً لبناء دولة مدنية عادلة. وكان في تحذيره من إسرائيل لا يكرر شعارات، بل يستشرف خطراً وجودياً، رأى فيه مبكراً تجسيداً لكل ما هو نقيض للحق والكرامة والعدالة. قال عنها إنها “الشر المطلق”، لأنه كان يعلم أن الخطر لا يكمن فقط في سلاحها، بل في مشروعها: تفتيت المنطقة، وتذويب الهويات، وتحويل الشعوب إلى أدوات.
واليوم، بعد سبعة وأربعين عاماً على تغييبه، تشتد الحاجة إليه. فالمنطقة تعيش لحظة تحول رهيبة: خرائط تتبدل، محاور تتقاتل، ومجتمعات تدفع نحو اليأس أو التطرف أو التسليم. لبنان، بما هو عليه من هشاشة وانقسام، لم يعد بمنأى عن هذا الإعصار. نحن في عين العاصفة، والمطلوب ليس فقط النجاة، بل المواجهة بوعي ومسؤولية.
في هذا السياق، تبدو كلمات الإمام كأنها كتبت اليوم، وكأنها خرجت من رحم اللحظة: دعوته إلى وحدة اللبنانيين، إلى بناء الدولة لا سلطات الطوائف، إلى التمسك بالقضية الفلسطينية كمعيار للموقف الأخلاقي، إلى رفض الذل مهما اشتد الحصار، إلى مقاومة الجهل بالفكر، والمذلة بالكرامة، والعدو بالوعي والسلاح.
ولأن الأمانة لا تضيع ما دام لها أهل يصونونها، فإننا نستذكر هنا، وبكل عرفان، دولة الرئيس نبيه بري، حامل الشعلة، والوفي لنهج الإمام. لم يكن الرئيس بري يوماً تابعاً، بل شريكاً في الرؤية والمسار، اختبر مع الإمام لحظات التأسيس، وسار على الطريق الصعب ذاته: طريق المقاومة، والوحدة، والعدالة الاجتماعية. وقد أثبت في مراحل مصيرية من تاريخ لبنان أنه الرجل الذي يمكن الاتكال عليه عندما تضيق الخيارات، ويبهت الأمل.
لكن، آه لو كان الإمام بيننا اليوم. كم كنا بحاجة إلى حكمته، إلى صلابته في زمن الانهيار، إلى وضوحه في عالم المساومات. لربما كنا اليوم أكثر عدلاً في خلافاتنا، وأقل أنانية في حساباتنا، وأصدق في ولائنا لهذا الوطن.
مع كل ذكرى، لا نسأل فقط عن الإمام، بل نسأل عن أنفسنا: هل بقينا على العهد؟ هل نحمل فكر الإمام، أم استبدلناه بخطابات فارغة؟ هل نحلم بلبنان الذي أراده، أم نكتفي ببقائه كاسم على خريطة؟
ختاماً، وفي ظل هذه الذكرى الثقيلة بالحنين والمسؤولية، علينا أن نفتح أعيننا على الأخطار المحدقة بلبنان: من الشرق والشمال، يتهددنا الفكر الإرهابي الذي لم يقض عليه تماماً، ولا تزال فلوله تحاول استغلال هشاشة الواقع للعودة بأساليب جديدة. ومن الجنوب، تستمر الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، ليس فقط عبر الخروقات الجوية والبرية، بل أيضاً عبر السعي لتكريس واقع جديد يتجاوز القوانين الدولية ويهدد السيادة اللبنانية بشكل مباشر.
هذه التهديدات لا تحتمل التهاون، ولا يمكن مواجهتها إلا بوحدة وطنية حقيقية، وبخطاب جامع يعلو فوق الانقسامات. فالإمام الصدر لم يترك لنا وصية من كلمات، بل مشروعاً من أفعال: مشروع الإنسان، المقاومة، والدولة.
فلنكن أهلاً لهذه الوصية، ولنجعل من ذكرى تغييبه بوابة حضور دائم لقيمه، ومناسبة لإعادة الالتزام بما أراده: لبنان الإنسان، لا لبنان الساحة.
د. وشاح فرج

سوبرمان 2025: عدالة الخيال في مرآة الواقع المضطرب

بينما يترقب العالم إطلاق فيلم “سوبرمان” الجديد للمخرج جيمس غان عام 2025، يتجاوز هذا العمل السينمائي كونه مجرد إضافة لسلسلة الأبطال الخارقين، ليصبح مرآة تعكس واقع عالمنا المضطرب والتحديات التي نواجهها. يقدم الفيلم رؤية جديدة للبطل الأيقوني، متخطيًا قصة المنشأ التقليدية، ليغوص مباشرة في عالمٍ أدركت فيه البشرية بالفعل وجود سوبرمان لسنوات، وبدأت تتساءل عن مكان الكائنات الخارقة في مجتمع معولم.

سوبرمان، غزة، ومعضلات التدخل
يضع الفيلم سوبرمان في قلب صراع جيوسياسي بين دولتين خياليتين، “بورافيا” و”جارهانبوري”. هذا النزاع، الذي يتورط فيه ليكس لوثر كـ “مستفيد من الحرب”، يكشف تعقيدات التدخل والسيادة. يمكننا أن نرى تشابهًا مباشرًا ومؤثرًا بين هذا الصراع الخيالي والأزمة الإنسانية الكارثية في غزة، حيث تتفاقم المعاناة الإنسانية بسبب القيود على المساعدات وتستغل بعض القوى الأزمات لتحقيق مكاسب شخصية.
في الفيلم، تتعمق القصة لتكشف عن دافع صادم وراء إرسال والدي سوبرمان الكريبتونيين له إلى الأرض، لم يكن بهدف البقاء فحسب، بل “لاستعباد الكوكب”. هذا التحول المظلم في القصة الأصلية يجبرنا على التساؤل عن مفهوم “الأمل” و”المنقذ” نفسه، ويربط بقوة مع تاريخ “العنف الاستيطاني الاستعماري” حيث تُستخدم روايات “التقدم” غالبًا لإخفاء نوايا الهيمنة والاستغلال.

لوثر وترامب: خطاب السلطة ونزع الشرعية
يتجسد الدافع الأساسي لليكس لوثر في سعيه المهووس لـ “كشف كذب مقولة أن القوة يمكن أن تكون بريئة”. إنه يسعى لشيطنة سوبرمان في نظر الجمهور، ويشبه هذا النهج بشكل لافت استراتيجيات دونالد ترامب الخطابية. فكلاهما يستخدمان أساليب نزع الشرعية الماكرة لتفكيك مصداقية “الأبطال” أو المؤسسات الراسخة، ويخلقان “سردية الأزمة” التي يضعان نفسيهما كحل وحيد لها.
لوثر، بشخصيته اللامعة، الساخرة، والواثقة ظاهريًا، يخفي تحت قناعه “عقدة نقص عميقة”. ورغم أنشطته الإجرامية، يعلن نيته الترشح للرئاسة، مما يعكس رغبته في السلطة المطلقة. هذا يتقاطع مع أسلوب ترامب الشعبوي والمواجه، واستخدامه المكثف لـ “حجم كبير من الأكاذيب” ولغة تحريضية، وتكتيكه المتمثل في “النسيج” الذي يسمح له بتغيير المواقف وتناقض نفسه للحفاظ على “إنكار معقول”. يرى كلاهما في الخوف أداة قوية لممارسة النفوذ، مما يكشف عن دوافع شخصية عميقة تسعى للهيمنة.

وهم البطل الخارق: هل نحتاج لمنقذ؟
غالبًا ما تقدم قصص الأبطال الخارقين رؤية مبسطة للعدالة، تصور النظام القضائي الرسمي على أنه “ضعيف أو فاسد أو غير فعال”، بينما يُبرر “العنف الجيد” للأبطال. هذا قد يقلل خفية من ثقتنا في المؤسسات الديمقراطية. تُشكل هذه السرديات كيف يفسر الجمهور قضايا الجريمة والعدالة، مما يؤدي غالبًا إلى تفضيل الحلول الفردية العاجلة بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل.
بينما يوفر الأبطال الخارقون الأمل والترفيه، فإنهم قد يصرفون الانتباه عن الحاجة الملحة للتغيير الهيكلي العميق، ويعززون فكرة أن العدالة ستتحقق على يد فرد خارق بدلاً من العمل البشري الجماعي الشاق. يطرح الفيلم سؤالًا جوهريًا: هل يكفي “التفاؤل” و”اللطف” كسوبرمان لمواجهة الظلم المنهجي والجيوسياسي المتجذر، كما هو الحال في غزة، أم أنه مجرد وهم مريح يصرف الانتباه عن الحاجة إلى الكفاح البشري المستمر والأطر القانونية الدولية القوية؟

العدالة الحقيقية: بين الخيال والواقع
في الختام، يكشف فيلم سوبرمان الجديد عن نفسه كنص ثقافي قوي يعكس واقع عالمنا المضطرب، والتحديات الإنسانية في غزة، والتشابهات المثيرة للقلق بين شخصيات خيالية وواقعية في سعيها للسلطة. كما يدعونا للتفكير النقدي في مدى تأثير قصص الأبطال الخارقين على تصوراتنا للعدالة.
لا تأتي العدالة الحقيقية في العالم من نزول شخصية شبيهة بالإله من السماء، بل من سعي بشري جماعي مستمر، معقد، وشاق. إنها تتطلب مشاركة نشطة مع القوانين الدولية، ودعمًا لا يتزعزع لحركات حقوق الإنسان، واستعدادًا دائمًا لتحدي الظلم المنهجي. العدالة الحقيقية تنبع من الجهود الدؤوبة للتضامن الإنساني، والكفاح المستمر، وأعمال التحدي الجماعية، والإيمان الراسخ بإنسانيتنا المشتركة.

تم إعداد هذا المقال بالتعاون بين الدكتور محمد إسماعيل وشريكه الاصطناعي جيميناي.

لبنان ليس ليس منتجعًا، بل وطن بني على التضحيات.

كتب الدكتور وشاح فرج:

يطالعنا المبعوث الأميركي بتصريح خطير ومستهجن، يلوح فيه بأن لبنان قد “يعود ليصبح بلاد الشام من جديد” إن لم يتحرك للخروج من أزمته. وكأن هذا الكيان الذي ولد من رحم المعاناة والتضحيات، يمكن أن يمحى بجملة، أو أن يذوب في خارطة لم تعد تعبر عن إرادة الشعوب وتضحياتها.
لقد دفع اللبنانيون على مدى قرن كامل أثمانآ باهظة في سبيل الحفاظ على استقلال وطنهم وخصوصيته وهويته المميزة ضمن المحيط. من مقاومة الاحتلال الفرنسي، إلى إعلان الاستقلال في 1943، إلى صمودهم في وجه الاجتياح الإسرائيلي، والهيمنة الأجنبية، والتدخلات الخارجية المتكررة، كان اللبناني دائمآ متمسكآ بحقه في تقرير مصيره، وبتاريخ دولته التي لا تختزل بجغرافيا أو مصالح إقليمية أو دولية.
من نفي الزعماء الوطنيين إلى راشيا، إلى شهداء الصحافة والكلمة، إلى مقاومي الجنوب الذين قاتلوا دفاعآ عن الكرامة والسيادة، لا يمكن لأحد أن ينكر أن لبنان ليس دولة ولدت بالصدفة، بل قامت على الإصرار، وعلى دماء أبنائها، من كل الطوائف والمناطق، الذين رفضوا الذوبان في مشاريع أكبر منهم، وأثبتوا أن الاستقلال ليس مجرد علم ونشيد، بل فعل مقاومة دائمة في وجه كل وصاية أو تهديد.
أما الحديث عن لبنان كـ”منتجع للسوريين”، فهو اختزال ساذج وظالم لدولة عريقة ساهمت في نهضة المشرق، واحتضنت الثقافة والإبداع والحرية وسط أنظمة القمع. لبنان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا شاطئآ سياحيآ على أطلال أزماته. هو بلد له روح، وله مقاومة، وله شعب رغم تعبه، لا يزال يؤمن بأنه يستحق الحياة الحرة الكريمة.
هذه النظرية التي يلوح بها المبعوث الأميركي ليست واقعية، بل مرفوضة جملة وتفصيلا، وهي تسقط أمام حقيقة واحدة: أن في لبنان مقاومة حية، قدمت وما زالت تقدم التضحيات الجسام كي لا يمس بسيادته، وأن في لبنان شعبا، رغم الجراح، لا يقبل التفريط بوطنه أو الانصهار في أي كيان غريب عن إرادته.
إننا نرفض منطق الابتزاز السياسي المبطن، ونؤمن أن لبنان باق ما بقيت إرادة المقاومة، وروح الاستقلال، والكرامة الوطنية.
د. وشاح فرج

ولـيـام يـازجـي يُطلق”عم خاف” بإحساس عالٍ!

في وقتٍ باتت فيه الأغنية تحتاج إلى صدقٍ وأصالة لتصل، يأتي الفنان وليام يازجي ويقدّم لنا عملًا نابضًا بالإحساس بعنوان “عم خاف”من كلماته، ليؤكد أن الكلمة واللحن عندما ينبعان من وجدان صادق، يلامسان القلوب دون استئذان.
حقّقت الأغنية انتشاراً واسعاً منذ الساعات الأولى لإطلاقها، فتصدّرت الفيديوهات، وتناقلها المحبّون على مختلف المنصات.
في هذا اللقاء، يفتح لنا وليام قلبه، ويتحدث عن تفاصيل العمل، مشاريعه المقبلة، وخوفه الجميل الذي يتحوّل إلى إبداع.

  • بدايةً، أخبرنا عن مضمون أغنية “عم خاف”.
    تتناول الأغنية موضوع شخص خرج من علاقة حب، وبعد فترة تعرّف على شخص جديد، لكنه يعيش صراعاً داخلياً؛ يخاف أن يحبّ مجددًا ويُخيّب أمله، ويخاف في الوقت نفسه ألّا يحبّ ويُضيّع فرصة الشخص الصحيح الذي كان يبحث عنه طوال الوقت.
  • اللّحن رائع جداً…مع من تعاونت في هذا العمل؟
    تعاونت مع صديق الطفولة Liam Andersson، وهو مقيم في السويد. إنه مغنٍ وملحن موهوب جداً، عمل بجهد وصبر ليحوّل شغفه إلى نجاح ملموس. إن التعامل معه مميز، لأنه يحمل في داخله شغفًا حقيقياً، وتولد موسيقاه من إحساس صادق يلامس القلب.
  • كيف توقّعتَ ردّة فعل الجمهور؟
    بصراحة، كنتُ خائفاً جداً قبل طرح الأغنية بيومين. كنت متوتراً من ردّة فعل الجمهور.
    لكن عندما أطلقت ال “برومو”، تلقيّت أصداءً إيجابية جداً. تفاعل الناس بشكل رائع بالعمل، بدأوا بتصوير فيديوهات ويشاركوني بها، ويسمعوا الاغنية في سيارتهم..
    هذا الحب زاد خوفي لأنني لم أكن أعرف إن كانت الأغنية ستكون فعلًا على قدر توقّعاتهم. لكن الحمدلله، منذ اليوم الأول وصلت المشاهدات إلى 200 ألف، وتأكدت أنّ الأغنية على الطريق الصحيح.
  • أي لون غنائي تفضّله وتتميّز به؟
    أميل إلى اللون الرومانسي المليء بالإحساس. أغنّي لأوصل إحساسي إلى الناس وأعبّر عن مشاعرهم قدر المستطاع.
  • مع مَن تحب أن تؤدي ديو؟ ولِمَن تسمع اليوم؟
    أتمنى تقديم ديو مع شيرين، أصالة، تامر حسني، وجاد شويري (مع حفظ الألقاب).
    بالمجمل، أسمع للجميع، وأحترم كل فنان يقدّم لونًا خاصًا به. إنّ كل شخص لديه طريقته وأحاسيسه المختلفة.
  • هل تحضّر لأعمال جديدة؟
    أكيد! بعد “عم خاف”، هناك أغنية باللهجة المصرية جميلة جداً.
    أنا متفائل دائماً، لكن قلبي لا يخلو من القلق والخوف.
    في الوقت الحالي، أعيش نجاح “عم خاف”، اضافة لحفلات عدة أحضرّها بدقّة.
    رابط اليوتيوب:
الفَسَادُ مِنَ الشَّعْبِ فِي لُبْنَانَ: قَبْلَ أَنْ نُحَاسِبَ الحُكُومَةَ، هَلْ نُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا؟

لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَنْظُرَ الشَّعْبُ فِي مِرْآةِ ذَاتِهِ. فَفِي الأَزْمَاتِ، نَمِيلُ إِلَى بَسْطِ التُّهْمَةِ عَلَى “الآخَرِ”، خَاصَّةً إِذَا كَانَ هَذَا الآخَرُ هُوَ السُّلْطَةُ، أَوْ مَنْ يَتَحَكَّمُ بِمَصِيرِ النَّاسِ وَمَوَارِدِهِمْ. وَفِي الحَالَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ، حَيْثُ يَتَدَاوَلُ المُوَاطِنُونَ كَلِمَاتٍ كَـ”السَّرِقَةِ” وَ”الفَسَادِ” وَ”المُحَاصَصَةِ” بِسُهُولَةٍ، يُصْبِحُ مِنَ البَدَاهَةِ أَنْ تُلْقَى كُلُّ المَسْؤُولِيَّةِ عَلَى الحُكُومَةِ وَالنُّخَبِ السِّيَاسِيَّةِ. وَلَكِنَّ التَّحَوُّلَ الجُرْأَةِ حَقِيقَةً يَبْدَأُ عِنْدَمَا نَسْأَلُ: مَا دَوْرُنَا نَحْنُ فِي كُلِّ مَا جَرَى وَيَجْرِي؟ هَلْ نَحْنُ بَرِيئُونَ مِنَ الفَسَادِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟

فِي خِضَمِّ الأَزْمَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ المُسْتَعْصِيَةِ، تَتَّجِهُ أَصَابِعُ الاِتِّهَامِ دَوْمًا نَحْوَ الحُكُومَةِ وَالسُّلْطَةِ، وَيُرَكِّزُ الشَّعْبُ غَضَبَهُ عَلَى المَسْؤُولِينَ، مُتَّهِمًا إِيَّاهُمْ بِالنَّهْبِ وَالفَسَادِ وَالإِخْفَاقِ. وَلَكِنْ، بَيْنَ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِنَ الغَضَبِ وَالنَّقْمَةِ، يَبْدُو أَنَّ السُّؤَالَ الأَخْطَرَ وَالأَشْجَعَ هُوَ: هَلْ نَحْنُ نُؤَدِّي وَاجِبَاتِنَا كَمُواطِنِينَ، قَبْلَ أَنْ نُطَالِبَ الحُكُومَةَ بِوَاجِبَاتِهَا؟

فَالفَسَادُ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى السِّيَاسَةِ وَالدَّوْلَةِ، بَلْ يَتَسَلَّلُ إِلَى التَّفَاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ: رَشْوَةٌ صَغِيرَةٌ، تَزْوِيرُ مَعَامَلَةٍ، رَمْيُ نُفَايَاتٍ فِي الشَّارِعِ، تَجَاوُزُ إِشَارَةِ سَيْرٍ، اِسْتِخْدَامُ الوَاسِطَةِ، أَوِ التَّهَرُّبُ مِنَ الضَّرَائِبِ. وَكُلُّهَا تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ ثَقَافَةٍ فَاسِدَةٍ تُطَبِّعُ مَعَ الخَطَأِ، وَتُجَمِّلُ القَبِيحَ، وَتُغَذِّي التَّفَلُّتَ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ. فَكَيْفَ نُرِيدُ بِنَاءَ دَوْلَةٍ عَادِلَةٍ، وَنَحْنُ نَكْسِرُ قَوَاعِدَ العَدَالَةِ فِي سُلُوكِنَا اليَوْمِيِّ؟ فِي ظِلِّ هَذِهِ البِيئَةِ، تَصِيرُ العَلَاقَةُ مَعَ القَانُونِ نَفْعِيَّةً: نُرِيدُهُ عِنْدَمَا يُفِيدُنَا، وَنَتَجَاوَزُهُ عِنْدَمَا يُقَيِّدُنَا. وَهُنَا يَكْمُنُ الجَذْرُ العَمِيقُ لِلمُشْكِلَةِ: نَحْنُ نُطَالِبُ بِالحُقُوقِ، وَلَكِنْ نَتَسَاهَلُ فِي الوَاجِبَاتِ، فَنُفْقِدُ التَّوَازُنَ الأَسَاسِيَّ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ أَيَّةُ دَوْلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.

وَإِذَا كُنَّا نُحَمِّلُ السِّيَاسِيِّينَ وَالحُكُومَاتِ وِزْرَ الفَسَادِ، فَيَجِبُ أَنْ نَعْتَرِفَ أَيْضًا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُمَثِّلُ الطَّوَائِفَ وَالأَحْزَابَ فِي لُبْنَانَ قَدْ شَارَكَ فِي الحُكُومَاتِ مُنْذُ اغْتِيَالِ رَفِيقِ الحَرِيرِي فِي شُبَاطَ 2005 وَحَتَّى اليَوْمِ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُطَالِبُ بِـ “حِصَّتِهِ” فِي الوِزَارَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، وَيُقَدِّمُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ “إِرْثِ أَبِيهِ”، وَلَيْسَ كَخَادِمٍ لِلصَّالِحِ العَامِّ. وَفِي ظِلِّ غِيَابِ المُرَاقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ، صَارَ كُلُّ حِزْبٍ يُسَطِّرُ بِقَلَمِهِ مَا يَسْعَى لِجَنْيِهِ، وَيَتَنَافَسُونَ عَلَى المَكَاسِبِ، نَاسِينَ فِكْرَةَ “الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ”. وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الدَّوْلَةَ تُكْثِرُ مِنَ القَوَانِينِ وَالقَرَارَاتِ، لَكِنَّهَا لَا تُطَبِّقُهَا عَلَى أَحَدٍ، وَلَا تُحَاسِبُ مَنْ يُخَالِفُهَا، فَتُسَاهِمُ بِذَلِكَ فِي اِسْتِسْهَالِ الفَوْضَى وَتَبْرِيرِهَا بِـ “ضَعْفِ بِنْيَةِ الدَّوْلَةِ”! وَهَكَذَا يُصْبِحُ كُلُّ خَلَلٍ مَقْبُولًا، وَكُلُّ خُرُوقٍ مُبَرَّرًا، وَكُلُّ جِنَايَةٍ دُونَ عِقَابٍ. وَفِي هَذِهِ البِيئَةِ، تَسْقُطُ أَسُسُ الوَطَنِ وَتَسُودُ “الغَابِيَّةُ” السِّيَاسِيَّةُ وَالاِجْتِمَاعِيَّةُ.

فَلْنَكُنْ صَادِقِينَ: مَا لَمْ نُصْلِحْ أَنْفُسَنَا، لَنْ نُصْلِحَ الدَّوْلَةَ. وَمَا لَمْ نُرَبِّي أَجْيَالًا تُقَدِّسُ الأَمَانَةَ وَالقَانُونَ، فَسَتَبْقَى الوَطَنِيَّةُ شِعَارًا فَارِغًا، وَسَيَبْقَى الفَسَادُ ثَقَافَةً مُتَجَذِّرَةً فِي العُقُولِ وَالسُّلُوكِ. إِنَّ الإِصْلَاحَ الحَقِيقِيَّ لا يَبْدَأُ بِتَغْيِيرِ الوُجُوهِ، بَلْ بِتَغْيِيرِ النُّفُوسِ، وَبِزَرْعِ قِيمِ المُوَاطَنَةِ الصَّادِقَةِ، وَبِنَاءِ وَعْيٍ جَمَاعِيٍّ يُرَاقِبُ، وَيُصَحِّحُ، وَيُحَاسِبُ. فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا الدَّائِمُ:
“نُحَاسِبُ الحُكُومَةَ، نَعَمْ… وَلَكِنْ نَبْدَأُ بِأَنْفُسِنَا أَوَّلًا.”