في ظِلِّ الأزماتِ المتلاحقةِ التِي تعصفُ بالقطاعِ التربويِّ في لبنانَ، من تراجعِ الإمكاناتِ الماديَّةِ، وضُغوطِ العملِ الهائلةِ، وهجرةِ الكفاءاتِ، تبرزُ الحاجةُ الملحّةُ إلى إعادةِ النظرِ الجذريةِ في موقعِ المعلمِ ودورهِ في المدرسةِ الحديثةِ. لم يعدِ المعلمُ مجرّدَ منفّذٍ للخططِ التعليميةِ أو ناقلٍ للمعلوماتِ، بل أصبحَ جوهرَ العمليةِ التربويةِ وروحَها، وبدونهِ لا يمكنُ تحقيقُ أيِّ إصلاحٍ أو تطويرٍ حقيقيٍّ. المعلمُ اليومَ يواجهُ بيئةً صعبةً مليئةً بالتحدياتِ اليوميةِ التِي تبدأُ بضعفِ المواردِ وانعدامِ الاستقرارِ الوظيفيِّ، ولا تنتهي باضطرابِ الأحوالِ النفسيةِ والاجتماعيةِ للمتعلمينَ أنفسِهم. ومع ذلك، لا تزالُ بعضُ المؤسساتِ التربويةِ، تتعاملُ مع المعلمِ بمنطقِ “الربح، و الخسارة”، إذا تعثّرَ أو ضعفَ، يُستبدلُ بسرعةٍ كأيِّ منتجٍ تجاريٍّ في السوق، بلا ترددٍ، متجاهلةً أن المعلمَ ليس سلعةً بل هو الإنسانُ التِي يحملُ في قلبهِ رسالةَ التربيةِ قبلَ أن يحملَ في يدهِ طبشورةَ التعليمِ.
إنَّ المدرسةَ ليست متجرًا، والمعلمُ ليس بضاعةً قابلةً للإلغاء عندَ أولِ خطأٍ أو أولِ هفوةٍ. بل على العكسِ، إنَّ نجاحَ المدرسةِ وتقدّمها وجودةَ مخرجاتِها تبدأُ من المعلمِ نفسهِ، من تعزيزِ كفاءتِهِ، دعمِ نفسيّتِهِ، وتوفيرِ بيئةٍ مهنيةٍ آمنةٍ تتيحُ لهُ النموَّ والتطورَ، تمامًا كما نطالبُ المتعلّمَ بأن يتعلّمَ على مهلٍ ويخطئَ ويتحسّنَ. من هنا، يصبحُ الإشرافُ التربويُّ وظيفةً إنسانيةً عميقةً قبلَ أن يكونَ مجرّدَ وظيفةٍ رقابيّةٍ أو تقويميةٍ. إشرافٌ لا يقتصرُ على قياسِ الأداءِ وتسجيلِ النقاطِ، بل يتّجهُ نحو احتضانِ المعلمِ في سنواتِهِ الأولى، ومرافقتهُ بخطى ثابتةٍ، ليعيدَ تشكيلَ كفاياتِهِ تدريجيًا وفقَ حاجاتِهِ الواقعيةِ، لا وفقَ توقعاتٍ نظريةٍ قديمةٍ أو معاييرَ نمطيةٍ.
وفي هذا السياقِ، تزدادُ الحاجةُ إلى خطةٍ إشرافيّةٍ تراعي هذهِ الأبعادَ الإنسانيةَ والمهنيةَ، خاصةً في لبنانَ الذي يرزحُ تحت وطأةِ أزماتٍ متعدّدةٍ أثّرتْ بعمقٍ على المدرسةِ والمعلمِ والمتعلّمِ معًا. فالمعلمُ التِي يتمتّعُ بثقةٍ مهنيةٍ ودعمٍ إشرافيٍّ سليمٍ، قادرٌ على النهوضِ بصفّهِ، وإحداثِ فرقٍ حقيقيٍّ في تعلمِ المتعلمينَ، بغضِّ النظرِ عن صعوبةِ الظروفِ. ولعلَّ أفضلَ ما يختصرُ هذهِ الفكرةَ ما قالَهُ التربويُّ العالميُّ “جون ديوي”: “إذا علّمنا اليومَ كما كنّا نعلّم بالأمسِ، فإنّنا نسرقُ أطفالنا مستقبلَهُم.” وهذا ينطبقُ أيضًا على المعلمِ نفسهِ: إذا لم نشرفْ عليهِ اليومَ بطريقةٍ تراعي تحوّلاتِ العصرِ، فإنّنا نفقدُهُ مستقبلَهُ المهنيَّ وفرصتَهُ الحقيقيةَ للنموِّ.
أهميةُ الإشرافِ المرافقِ لمسيرةِ المعلمِ
يتخرجُ معظمُ المعلمينَ من الجامعاتِ بشهاداتٍ في التعليمِ، أو حتى في اختصاصاتٍ غيرِ تربويةٍ كالْهندسةِ، الرياضياتِ، أو العلومِ، لينتقلوا فجأةً إلى عالمِ المدرسةِ الحقيقيِّ المليءِ بالتحدياتِ المتغيرةِ، الذي يختلفُ كليًا عمّا تعلّموهُ في قاعاتِ المحاضراتِ. في الواقعِ، تنقسمُ مسيرةُ المعلمِ الجديدِ إلى ثلاثِ مراحلَ رئيسيّةٍ ينبغي على المشرفينَ التربويينَ مواكبتها بذكاءِ وتفهمٍ:
السنةُ الأولى: سنةُ الاكتشافِ، فيها يتعرّفُ المعلمُ على بيئةِ المدرسةِ، سلوكِ المتعلّمينَ، طبيعةِ الصفوفِ، ضغوطِ المهنةِ، ومتطلباتِ الإدارةِ، ما يجعلهُ عرضةً للارتباكِ والترددِ، لكنه يظلُّ حيويًّا متحمّسًا.
السنةُ الثانية: سنةُ التوجيهِ والتزويدِ بالكفاياتِ، بعد مرحلةِ الصدمةِ الأولى، يصبحُ المعلمُ أكثرَ استعدادًا لتلقي التوجيهِ، ويحتاجُ لدعمٍ مباشرٍ لتطويرِ أدواتِهِ: تخطيطُ الدروسِ، ضبطُ الصفِّ، التقييمُ البديلُ، واستراتيجياتُ التعليمِ النَّشطِ.
السنةُ الثالثة: سنةُ التمكينِ والقرارِ، هنا تظهرُ معالمُ شخصيةِ المعلمِ المهنيةِ؛ هل نجحَ في تطويرِ ذاتهِ؟ هل قرّرَ الاستمرارَ في المهنةِ؟ هل أصبحَ مؤهَّلًا ليقودَ الصفَّ باستقلاليةٍ وثقةٍ؟
حين يتخرّجُ المعلمُ من الجامعةِ حاملًا إجازةً تعليميةً، أو حتى إجازةً في اختصاصٍ آخرَ كالرياضياتِ أو العلومِ، يظنُّ البعضُ أنّه باتَ مؤهَّلًا لخوضِ الميدانِ التربويِّ فورًا بكفاياتٍ مكتملةٍ. لكنّ الواقعَ التربويَّ في المدارسِ – خاصّةً في لبنانَ – أثبتَ أنَّ هذه الكفاياتِ لا تكتملُ إلّا بالتجربةِ الميدانيةِ والمرافقةِ الإشرافيّةِ الحكيمةِ. فالعامُ الأولُ في حياةِ أيِّ معلمٍ جديدٍ هو عامُ الاكتشافاتِ: يكتشفُ ذاتهُ، صفوفَهُ، واقعهُ، صدماتهُ، وصدقهُ المهنيَّ. أمّا العامُ الثاني، فهو عامُ التوجيهِ وتزويدهِ بما يحتاجُهُ من استراتيجياتٍ وأدواتٍ واقعيةٍ غيرِ تلكَ التِي تلقّاها نظريًّا في الجامعةِ. أمّا العامُ الثالث، فهو عامُ جني النتائجِ واتخاذِ القرارِ: هل هو مستمرٌّ في هذا المسارِّ؟ هل حقّق تقدّمَهُ؟ هل تخطّى مخاوفَهُ؟
لِهذَا، فإنَّ كلَّ معلمٍ جديدٍ بحاجةٍ ماسّةٍ لفرصةٍ حقيقيةٍ لاختبارِ نفسهِ في ظلِّ دعمٍ متواصلٍ، وليسَ لحكمٍ مبكّرٍ يقضي عليهِ في أولِ تعثّرٍ. إنَّ غيابَ هذهِ الفرصةِ يحوّلُ الإشرافَ إلى ما يشبهُ ممارسةَ “تلحصانِ الميتِ” – حيث نفترضُ أنَّ المعلمَ قد فشلَ منذ البدايةِ، فنمارسُ عليهِ إشرافًا سلبيًّا يقتلهُ نفسيًّا قبلَ أن يمنحَ فرصتَهُ الحقيقيةَ. بينما في الواقعِ، هذا “الحصانُ” حيٌّ، مليءٌ بالحماسِ، والرغبةِ في الإنجازِ، فقط بحاجةٍ لمن يعلمهُ كيفَ يركضُ بأمانٍ وثقةٍ.
إنَّ الإشرافَ الإيجابيَّ المرافقَ منذ السنةِ الأولى كفيلٌ بأن يجعلَ هذا المعلمَ عنصرًا ناجحًا في المدرسةِ، لا مجرّدَ رقمٍ مؤقتٍ ينتظرُ استبدالهُ. ولا يمكنُ لأيِّ إشرافٍ أن يحقّقَ هذا الدورَ إذا كان سلبيًّا، ناقدًا فقط، خاليًا من الإيمانِ بقدرةِ المعلمِ على النموِّ والتغييرِ. من هنا، تأتي خطةُ الإشرافِ هذه لتمنحَ كلَّ معلمٍ – مهما كان تخصصهُ أو ظروفهُ – فرصةً للنجاحِ الحقيقيِّ والتطورِ المتدرّجِ خلال ثلاثِ سنواتٍ، تنقلهُ من الاكتشافِ، إلى التوجيهِ، ثمَّ إلى التمكينِ والقرارِ الواعيِ.
أهدافُ الخطةِ الإشرافيّةِ
تطويرُ الكفاياتِ التدريسيّةِ، رفعُ مستوى مهاراتِ المعلمينَ في تخطيطِ، تنفيذِ، وتقييمِ الدروسِ، مع توظيفِ استراتيجياتِ تدريسٍ متنوعةٍ وفعّالةٍ تلائمُ السياقَ اللبنانيَّ. تعزيزُ النموِّ المهنيِّ المستمرِّ، تشجيعُ المعلمينَ على مواصلةِ التعلّمِ الذاتيِّ والمشاركةِ في الدوراتِ التدريبيةِ والأنشطة المهنيةِ، لمواكبةِ المستجدّاتِ التربويّةِ. تحسينُ البيئةِ الصفيّةِ، تهيئةُ مناخٍ تعليميٍّ محفّزٍ، يضمنُ الشعورَ بالأمانِ والتقديرِ للمعلمِ والمتعلّمِ على السواءِ، ويعزّزُ التفاعلَ والانخراطَ الصفيَّ. رفعُ مستوى التحصيلِ الدراسيِّ للمتعلمينَ، تحقيقُ تحسّنٍ ملموسٍ في نواتجِ التعلّمِ عبر تحسينِ جودةِ التدريسِ وتقديمِ الدعمِ الأكاديميِّ والنفسيِّ المناسبِ للمتعلمينَ.
استراتيجياتُ الإشرافِ المعتمدةُ
الإشرافُ الصفيُّ المباشرُ، تنفيذُ زياراتٍ صفّيّةٍ منهجيّةٍ يعقبُها جلساتُ تغذيةٍ راجعةٍ تشاركيّةٍ مع المعلمينَ. الإشرافُ التطوّريُّ الفرديُّ، تصميمُ خططِ نموٍّ مهنيّةٍ خاصةٍ بكلِّ معلمٍ وفق نقاطِ قوّتهِ وضعفهِ. الإشرافُ المتعدّدُ الوسائطِ، تنظيمُ دروسٍ نموذجيّةٍ، ورشٍ تربويّةٍ، زياراتٍ تبادليّةٍ بين المعلمينَ، ونشراتٍ تعليميّةٍ تثقيفيّةٍ. الإشرافُ التدريبيُّ، تنفيذُ برامجَ تدريبيّةً متخصّصةً ترتكزُ على مهاراتِ التعليمِ النشطِ، التقويمِ البديلِ، استراتيجياتِ الدمجِ، وغيرها. الإشرافُ الميدانيُّ المستمرُّ، ضمانُ تواجدِ المشرفِ المقيمِ في المدرسةِ لمرافقةِ المعلمينَ ميدانيًّا وتقديمِ الدعمِ العمليِّ المباشرِ.
آليّاتُ تنفيذِ الخطةِ
وضعُ خطةِ عملٍ مرحليّةٍ، تحديدُ الأهدافِ والأنشطةِ لكلِّ سنةٍ، توزيعُ المسؤولياتِ، وضبطُ الجداولِ الزمنيّةِ بدقّةٍ. توفيرُ بيئةِ دعمٍ متكاملةٍ، تأمينُ المستلزماتِ الماديّةِ والتقنيّةِ، وتقديرُ جهودِ المعلمينَ معنويًّا ومهنيًّا. عقدُ لقاءاتٍ دوريّةٍ، تنظيمُ اجتماعاتٍ إشرافيّةٍ شهريّةٍ لمناقشةِ سيرِ العملِ، تبادلِ الأفكارِ، ومعالجةِ الصعوباتِ. تقديمُ تغذيةٍ راجعةٍ فعّالةٍ، إعدادُ تقاريرَ مفصلةٍ لكلِّ معلمٍ تتناولُ نقاطَ القوّةِ والفرصَ التطويريّةِ، مع توصياتٍ عمليّةٍ محدّدةٍ. تقييمُ الأداءِ بشكلٍ دوريٍّ، تنفيذُ أدواتِ تقييمٍ شاملةٍ (ملاحظةٌ صفّيّةٌ، مقابلاتٌ فرديّةٌ، استبياناتٌ) لمراقبةِ التقدّمِ وتوجيهِ خططِ التطويرِ.
الخاتمةُ
في ظلِّ التَّحوُّلاتِ العميقةِ التي تَشهَدُها المدرسةُ اللبنانيَّةُ، لم يَعُدْ مَقْبولًا التَّعامُلُ معَ المُعلِّمِ كعُنْصُرٍ قابِلٍ للإلغاءِ أو الإقصاءِ عندَ أوَّلِ تَعَثُّرٍ. بل باتَ مِنَ الضَّروريِّ تَبَنِّي فَلسفةٍ إشرافيَّةٍ قائمةٍ على الإيمانِ بِقُدْرَةِ المُعلِّمِ على التَّعَلُّمِ، والنُّموِّ، والتَّجَدُّدِ، مَتى ما أُتِيحَتْ لهُ البِيئَةُ الحاضِنةُ والدَّعمُ المُناسِبُ.
إنَّ هذه الخُطَّةَ الإشرافيَّةَ المُمَتِّدَةَ على ثلاثِ سَنَواتٍ تُمَثِّلُ استِجابَةً حَقيقيَّةً لهذِهِ الحاجَةِ، إذ تَضَعُ المُعلِّمَ في مَركَزِ الاهتِمامِ، وتُوَفِّرُ لهُ مَسارًا مِهَنيًّا مُتَدَرِّجًا يُعيدُ إِليهِ ثِقَتَهُ بِنَفسِه، ويُعيدُ للمدرسةِ دَورَها كَحاضِنَةٍ للنُّمُوِّ البَشَريِّ قَبلَ أَن تَكونَ مُؤسَّسَةً لِلنَّتائِجِ وَالأَرقَامِ.
إنَّ إصلاحَ التَّعليمِ في لبنانَ يَبدأُ مِن هُنا: مِن تَمكينِ المُعلِّمِ ليُصبِحَ صانِعًا حقيقيًّا لِلتَّغْييرِ، لا مُجرَّدَ مُنفِّذٍ لِسِياساتٍ مَرسَلةٍ مِن الخَارجِ.
ويَصدُقُ في هذَا المَقَامِ قَولُ التَّربويِّ العَربيِّ الدُّكتورِ عَبدُ الرَّحمنِ بِدوي: “المُعلِّمُ هُوَ الَّذي يَصنَعُ الأُمَّةَ، فَإن أَحسَنا تَكوينَهُ أَطلَقنا طاقاتِ الأُمَّةِ بِأسرِها.”
السَّادةُ المُرَبُّونَ والمُشرِفونَ الأفاضل، إِنَّ مَسؤوليَّتَكُم عَظيمةٌ في رِعايةِ المُعلِّمِ ومُرافقتِه في رِحلَتِه المِهَنيَّةِ، لِتَكونَ المدرسةُ حَقًّا مَنَبَعَ إشراقٍ وعطاءٍ مُستدامٍ.