حين ترقص بعلبك تحت المطر

بقلم: أ. د. وشاح فرج

استوقفني، كما استوقف الكثيرين، مشهد فرقة الدبكة البعلبكية التراثية وهي تتحدى المطر الغزير بقلوب ثابتة وأقدام تنقش على الأرض إيقاع الانتماء.

كان المطر يهطل، والبرد يلفح، لكنهم ظلوا يرقصون، كأن الأرض نفسها تمدهم بقوتها، وكأن الهوية البعلبكية لا تعرف الاستسلام مهما اشتدت العواصف.

هؤلاء الشبان لم يرقصوا للعرض فحسب، بل كانوا يحملون في خطواتهم نوايا بعلبك الطيبة، يقدمون تحية باسم أهلها كلهم.

بعلبك، المدينة التي دفعت أثمانا” باهظة عبر عقود طويلة من الحرمان وقلة الإنصاف، تقف اليوم لتقول:نحن هنا، ببساطتنا، بكرامتنا، بعراقتنا.فهل ما زالت بعلبك تدفع ثمن طيبتها وانفتاحها وإيمانها الدائم بالإنسان؟في هذا المناخ الوجداني، جاءت زيارة رسول السلام، قداسة البابا لاون إلى لبنان.

زيارة تحمل في طياتها الكثير من الرمزية في بلد يكافح يوميا” للحفاظ على كيانه، ويعاني جراحا” مفتوحة تتجدد مع كل حدث، وكل خبر، وكل خيبة.

ومع ذلك، حين يصل رجل سلام إلى هذا البلد، يخرج اللبنانيون من كل مناطقهم، ومن مختلف طوائفهم، ليرفعوا علما” واحدا” فوق رؤوسهم.فاللبناني، رغم أوجاعه، ما زال يؤمن بأن الضيف القادم بنوايا الخير يستحق الترحيب، وأن لبنان، برغم الوجع، لا يزال أرض لقاء وتواصل وحوار.إنها لحظة نادرة يستعيد فيها اللبنانيون شيئا” من صورتهم الجميلة:شعب يجتمع على الفرح، لا على الخوف، على الأمل، لا على الانقسام.

ونرجو أن تحمل هذه الزيارة ما يطمئن القلب، وما يعيد شيئا” من الثقة إلى نفوس أتعبها الانتظار. نرجو أن تكون نافذة يطل العالم من خلالها على لبنان من جديد، فيدعمه، ويقف إلى جانبه، ويعيد الاعتبار لوطن يليق بالحياة.وبين مشهد دبكة تحت المطر، ومشهد ألوان العلم اللبناني ترتفع في استقبال البابا، تتأكد حقيقة واحدة:هذا الشعب، مهما أثقلته الأزمات، ما زال قادرا” على إبقاء الأمل حيّا”.وما زال قادرا” على استقبال الضيف بابتسامة، وعلى أن يقول للعالم:لبنان يتعب، لكنه لا ينكسر.

وبعلبك ترهقها الظروف، لكنها لا تفقد دفء القلب ولا أصالة الترحيب.