لبنانُ المصلوبُ على أرصفةِ الغدر: حينَ ينهشُ اللبنانيُّ لحمَ أخيهِ قبلَ الصاروخ!

بقلم : سحر الساحلي –

لم يعد الوجعُ جهةً في بوصلة، بل صار لبنانُ كُلُّه قلباً يرتجفُ تحتَ وطأةِ “القيامة”. اليوم، لا تسألوا عن “منطقة”، بل اسألوا عن “الإنسان” الذي صار غريباً في خارطةِ أرزِهِ؛ يحملُ عُمرَهُ المُفتت في كيسٍ من بلاستيك، يُقفلُ بابَ أحلامهِ خلفَهُ بدمعةٍ مغلوبة، ويمضي بـ “ثيابِ الصلاة” نحو مجهولٍ لا يرحم.هل أبكي على الجنوب الذي صار ترابُهُ جحيماً؟ أم على البقاع الذي يئنُّ تحتَ وابلِ النار؟ أم على ضاحيةٍ غطاها سوادُ الفقد؟ أم على بيروت والجبل والشمال وكل قريةٍ تفتحُ ذراعيها لآلافِ القلوبِ المكسورة، بينما تغلقُ بعضُ الصدورِ أبوابها بجدرانٍ من حقدٍ وطمع؟

يا لَوجعِ الناسِ وهم يفترشون الأرصفة، يلتحفون السماء التي كانت يوماً سقفاً لأمانهم. انظروا إلى ملامحهم جيداً؛ هؤلاء ليسوا “عابري سبيل”، هؤلاء هم “نحنُ” حين يغدرُ بنا الزمان. انظروا إلى تلك الأم التي تضمُّ حقيبتها كأنها تضمُّ ما تبقى من كرامتها.. انظروا إلى العيون، ستجدون لبنان كله في تلك النظرة التائهة. لبنان الذي تهجّر من “بيته” الكبير والصغير؛ فالبيتُ ليس جدراناً، البيتُ هو الكرامة، هو فنجانُ الصباح، هو اطمئنانُ الطفلِ في سريره.. كُلُّ هذا سُرقَ منا في لحظةِ غدر.كيف ينامُ مَن يرفعُ إيجارَ غُرفةٍ أمام عائلةٍ مشردة؟ وكيف يغفو مَن يفتشُ في هويةِ المستغيثِ قبلَ أن يضمدَ جرحَه؟ الحربُ لا تفرقُ بيننا، لكننا -بأنانيتنا- جعلنا منها “سوقاً” للجشع وميداناً للشماتة. توقفوا عن تقسيم الوجع، فالدموعُ لا مذهبَ لها، والصراخُ تحت الأنقاض يخرجُ بلغةٍ واحدة هي لغةُ الألم. في لبنان اليوم، لم تسقط البيوتُ وحدها، بل سقطت معها أقنعةُ التضامن وستورُ الرحمة. إنَّ الذي لا يحزنُ لوجعِ لبنان من أقصاه إلى أقصاه، قد ماتَ في قلبهِ “الإنسانُ” قبل أن يموتَ في جسدهِ الأمل.

ارحموا “عزيزَ قومٍ” لم يخرج من دارهِ إلا ليبقى “رأسُهُ مرفوعاً”، فإذ بهِ يصطدمُ بجدرانِ نذالتكم. ارحموا هذا الشعبَ الذي صارَ “لاجئاً” في غرفته، ومشرداً في شارعه. إن لم تفتحوا أبوابكم الآن، فسيأتي يومٌ تطرقون فيه الأبوابَ فلا تجدون إلا الصدى.. والندم.نحن اليوم لا نعيشُ حرباً عسكريةً فحسب، بل نعيشُ “اختباراً لإنسانيتنا”. إن سقطت الإنسانيةُ فينا، فلا قيمةَ لانتصارٍ ولا معنى لبقاء. هؤلاء الناس هم “أمانةُ الله” في أعناقنا، هم أصحابُ الأرض الذين دفعوا ثمنَ بقائنا من دمائهم وأرزاقهم.

يا رب.. ضاقت بنا الأرضُ بما رحبت، ولم يبقَ إلا رحابك. كُن للنازحين داراً، وللمشردين قراراً، وازرع في قلوب الناس رحمةً تشبهُ رحمتك. حسبي الله ونعم الوكيل في كُلِّ يدٍ قبضت ثمنَ القهر، وفي كُلِّ قلبٍ فرحَ بكسرةِ خاطرِ المظلوم، وفي كُلِّ مَن أغمضَ عينَهُ عن وجعِ أخيه. اللهُ كبير.. والوجعُ دَيْنٌ سيُسدَّدُ حتماً من أعماركم وأمانكم.

حين ترقص بعلبك تحت المطر

بقلم: أ. د. وشاح فرج

استوقفني، كما استوقف الكثيرين، مشهد فرقة الدبكة البعلبكية التراثية وهي تتحدى المطر الغزير بقلوب ثابتة وأقدام تنقش على الأرض إيقاع الانتماء.

كان المطر يهطل، والبرد يلفح، لكنهم ظلوا يرقصون، كأن الأرض نفسها تمدهم بقوتها، وكأن الهوية البعلبكية لا تعرف الاستسلام مهما اشتدت العواصف.

هؤلاء الشبان لم يرقصوا للعرض فحسب، بل كانوا يحملون في خطواتهم نوايا بعلبك الطيبة، يقدمون تحية باسم أهلها كلهم.

بعلبك، المدينة التي دفعت أثمانا” باهظة عبر عقود طويلة من الحرمان وقلة الإنصاف، تقف اليوم لتقول:نحن هنا، ببساطتنا، بكرامتنا، بعراقتنا.فهل ما زالت بعلبك تدفع ثمن طيبتها وانفتاحها وإيمانها الدائم بالإنسان؟في هذا المناخ الوجداني، جاءت زيارة رسول السلام، قداسة البابا لاون إلى لبنان.

زيارة تحمل في طياتها الكثير من الرمزية في بلد يكافح يوميا” للحفاظ على كيانه، ويعاني جراحا” مفتوحة تتجدد مع كل حدث، وكل خبر، وكل خيبة.

ومع ذلك، حين يصل رجل سلام إلى هذا البلد، يخرج اللبنانيون من كل مناطقهم، ومن مختلف طوائفهم، ليرفعوا علما” واحدا” فوق رؤوسهم.فاللبناني، رغم أوجاعه، ما زال يؤمن بأن الضيف القادم بنوايا الخير يستحق الترحيب، وأن لبنان، برغم الوجع، لا يزال أرض لقاء وتواصل وحوار.إنها لحظة نادرة يستعيد فيها اللبنانيون شيئا” من صورتهم الجميلة:شعب يجتمع على الفرح، لا على الخوف، على الأمل، لا على الانقسام.

ونرجو أن تحمل هذه الزيارة ما يطمئن القلب، وما يعيد شيئا” من الثقة إلى نفوس أتعبها الانتظار. نرجو أن تكون نافذة يطل العالم من خلالها على لبنان من جديد، فيدعمه، ويقف إلى جانبه، ويعيد الاعتبار لوطن يليق بالحياة.وبين مشهد دبكة تحت المطر، ومشهد ألوان العلم اللبناني ترتفع في استقبال البابا، تتأكد حقيقة واحدة:هذا الشعب، مهما أثقلته الأزمات، ما زال قادرا” على إبقاء الأمل حيّا”.وما زال قادرا” على استقبال الضيف بابتسامة، وعلى أن يقول للعالم:لبنان يتعب، لكنه لا ينكسر.

وبعلبك ترهقها الظروف، لكنها لا تفقد دفء القلب ولا أصالة الترحيب.

غزة تقاوم الجوع، والعرب يقاومون الحرج.

بقلم د. وشاح فرج:
في هذه الأيام الحالكة، لا نحتاج إلى صور لنبكي، ولا إلى أخبار لنغضب. ما يجري في غزة لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى ضمير. إلى قلب لا يزال ينبض بشيء من الإنسانية. إلى روح لم تغرق بعد في وحل التطبيع.
نقف أمام مشهد يتجاوز قدرة اللغة على الوصف: طفل لا يقوى على الوقوف من شدة الجوع، حشود من الجائعين، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، يتهافتون وهم يحملون أطباقاً وعلباً فارغة، يركضون نحو مكان توزيع الطعام وكأنهم يركضون نحو الحياة ذاتها. ومنهم من لا يصل، يسقط قبل أن يبلغ المكان المقصود، يودع الدنيا جوعاً في زمن الفائض الغذائي. فهل بقي بعد هذه الصورة معنى للعروبة؟ هل بقي في قواميسنا ما يمكن أن نكتبه ولا نشعر بالخزي؟
أي جرح هذا الذي يذل الإنسان إلى هذا الحد؟ وأي خزي نعيشه نحن حين نرى المشهد، فنقلب الصفحة أو نمر عليه كأنه خبر عابر في نشرة مسائية؟
غزة هاشم، التي قاومت بالحجر، والتي صمدت تحت الحصار، والتي أنجبت رجالاً لا يساومون، تجوع اليوم، لا لشيء سوى لأنها قالت: لا. لأنها ما زالت تمسك بمفتاح بيتها، وترفض أن توقع على وثيقة النسيان.
ما يجري ليس عابراً. إنها وصمة عار سوداء في جبين أمة اعتادت أن تزايد على فلسطين في خطبها، وتخذلها في أفعالها. أصبح التمسك بالكرسي أغلى من التمسك بالقضية، وأصبحت بعض العواصم ترى في الصمت سياسة، وفي التطبيع شطارة، وفي المقاومة عبئاً يجب التخلص منه.
لكن، هل يعقل أن يجوع شعب بكامله في القرن الحادي والعشرين؟ كيف تصل المجاعة إلى أهل الأرض المباركة في زمن الأقمار الصناعية، والاتصالات العابرة للقارات، ومليارات الدولارات التي تهدر على كماليات الترف العربي؟
الجواب واضح، ومخجل: لأن العالم بكل حضارته المزعومة، يرضى بذلك، أو على الأقل يصمت عنه. ولأن الأنظمة التي كانت يجب أن تدافع، اختارت أن تدير ظهرها، وتكتفي بالعبارات الجاهزة.
نحن اليوم أمام مفارقة مروعة: الإنسان الفلسطيني يعاقب لأنه بقي إنساناً. لأنه رفض أن يتحول إلى رقم في معادلة الإذلال، أو إلى لاجئ بلا هوية، أو إلى تابع يصفق للمحتل ويطلب منه اللقمة بثمن الصمت.
لكن، وسط هذا السواد، تبقى شعلة. تبقى تلك القلة التي ما زالت تؤمن أن فلسطين ليست خريطة على جدار، بل اختبار يومي لكرامتنا جميعاً. تلك الأصوات التي، رغم القهر، تحاول أن تزرع زيتونة، أو ترسل شحنة دواء، أو تكتب كلمة مقاومة.
فلسطين اليوم، وغزة بشكل خاص، لا تطلب منا معجزة، بل ألا نخون. ألا نكذب عليها بالبيانات والاحتفالات، ثم نشارك في خنقها بقرارات صامتة أو أبواب مغلقة.
وإن كانت المجاعة قد وصلت، فاعلموا أننا لم نصل إليها صدفة. لقد مشينا نحوها بصمتنا، بخوفنا، بانشغالنا بالقشور. ومهما حاولنا أن نغسل أيدينا من هذا الدم، فلن تنسى غزة من تركها وحيدة وهي تتلوى من الجوع.
إن الجائع الذي لا يستطيع المشي إلا إن أطعمناه، هو مرآتنا. مرآة سقوطنا الجماعي، وانكشاف نفاقنا، وانهيار ما تبقى من أوهامنا القومية

د. وشاح فرج

الامام موسى الصدر، ذاكرة لا تنطفئ، وراية لا تسقط.

كنب الدكتور وشاح فرج: في الذكرى الـ47 لتغييب الإمام الصدر: الغائب الذي لم يغب، والحاضر الذي نفتقده بشدة، في حضرة الذكرى، تختلط الكلمات بالدمع، وتضيق العبارة أمام رجل لم يكن مجرد قائد، بل حالة استثنائية من الوعي والإيمان والكرامة. الإمام موسى الصدر لم يأت إلى لبنان ضيفاً، بل عاد إليه كمن يعود إلى جذوره، يحمل مشروعاً روحياً وأخلاقياً وسياسياً، يرى فيه لبنان وطناً لا طائفة، رسالة لا ساحة، إنساناً لا زعيماً.
ما أعطاه الإمام لهذا الوطن لا يقاس بالحسابات التقليدية للسياسة. لقد أعطاه معنى. أعاد تعريف الهوية الوطنية في زمن كادت تختصر فيه الطوائف بالزعامات، والانتماء بالموقع، والمظلومية بالسكوت. نهض بالطائفة الشيعية من هامش الإهمال إلى مركز الفعل، ولكن لا لينغلق بها، بل لينفتح بها على الوطن كله، ولينسج معها شبكة من العلاقات الإنسانية العابرة للانتماءات الضيقة.
اعتداله لم يكن ضعفاً، بل وعياً بأهمية التوازن الوطني، وغيرته على لبنان لم تكن عاطفة، بل مشروعاً لبناء دولة مدنية عادلة. وكان في تحذيره من إسرائيل لا يكرر شعارات، بل يستشرف خطراً وجودياً، رأى فيه مبكراً تجسيداً لكل ما هو نقيض للحق والكرامة والعدالة. قال عنها إنها “الشر المطلق”، لأنه كان يعلم أن الخطر لا يكمن فقط في سلاحها، بل في مشروعها: تفتيت المنطقة، وتذويب الهويات، وتحويل الشعوب إلى أدوات.
واليوم، بعد سبعة وأربعين عاماً على تغييبه، تشتد الحاجة إليه. فالمنطقة تعيش لحظة تحول رهيبة: خرائط تتبدل، محاور تتقاتل، ومجتمعات تدفع نحو اليأس أو التطرف أو التسليم. لبنان، بما هو عليه من هشاشة وانقسام، لم يعد بمنأى عن هذا الإعصار. نحن في عين العاصفة، والمطلوب ليس فقط النجاة، بل المواجهة بوعي ومسؤولية.
في هذا السياق، تبدو كلمات الإمام كأنها كتبت اليوم، وكأنها خرجت من رحم اللحظة: دعوته إلى وحدة اللبنانيين، إلى بناء الدولة لا سلطات الطوائف، إلى التمسك بالقضية الفلسطينية كمعيار للموقف الأخلاقي، إلى رفض الذل مهما اشتد الحصار، إلى مقاومة الجهل بالفكر، والمذلة بالكرامة، والعدو بالوعي والسلاح.
ولأن الأمانة لا تضيع ما دام لها أهل يصونونها، فإننا نستذكر هنا، وبكل عرفان، دولة الرئيس نبيه بري، حامل الشعلة، والوفي لنهج الإمام. لم يكن الرئيس بري يوماً تابعاً، بل شريكاً في الرؤية والمسار، اختبر مع الإمام لحظات التأسيس، وسار على الطريق الصعب ذاته: طريق المقاومة، والوحدة، والعدالة الاجتماعية. وقد أثبت في مراحل مصيرية من تاريخ لبنان أنه الرجل الذي يمكن الاتكال عليه عندما تضيق الخيارات، ويبهت الأمل.
لكن، آه لو كان الإمام بيننا اليوم. كم كنا بحاجة إلى حكمته، إلى صلابته في زمن الانهيار، إلى وضوحه في عالم المساومات. لربما كنا اليوم أكثر عدلاً في خلافاتنا، وأقل أنانية في حساباتنا، وأصدق في ولائنا لهذا الوطن.
مع كل ذكرى، لا نسأل فقط عن الإمام، بل نسأل عن أنفسنا: هل بقينا على العهد؟ هل نحمل فكر الإمام، أم استبدلناه بخطابات فارغة؟ هل نحلم بلبنان الذي أراده، أم نكتفي ببقائه كاسم على خريطة؟
ختاماً، وفي ظل هذه الذكرى الثقيلة بالحنين والمسؤولية، علينا أن نفتح أعيننا على الأخطار المحدقة بلبنان: من الشرق والشمال، يتهددنا الفكر الإرهابي الذي لم يقض عليه تماماً، ولا تزال فلوله تحاول استغلال هشاشة الواقع للعودة بأساليب جديدة. ومن الجنوب، تستمر الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، ليس فقط عبر الخروقات الجوية والبرية، بل أيضاً عبر السعي لتكريس واقع جديد يتجاوز القوانين الدولية ويهدد السيادة اللبنانية بشكل مباشر.
هذه التهديدات لا تحتمل التهاون، ولا يمكن مواجهتها إلا بوحدة وطنية حقيقية، وبخطاب جامع يعلو فوق الانقسامات. فالإمام الصدر لم يترك لنا وصية من كلمات، بل مشروعاً من أفعال: مشروع الإنسان، المقاومة، والدولة.
فلنكن أهلاً لهذه الوصية، ولنجعل من ذكرى تغييبه بوابة حضور دائم لقيمه، ومناسبة لإعادة الالتزام بما أراده: لبنان الإنسان، لا لبنان الساحة.
د. وشاح فرج

لبنان ليس ليس منتجعًا، بل وطن بني على التضحيات.

كتب الدكتور وشاح فرج:

يطالعنا المبعوث الأميركي بتصريح خطير ومستهجن، يلوح فيه بأن لبنان قد “يعود ليصبح بلاد الشام من جديد” إن لم يتحرك للخروج من أزمته. وكأن هذا الكيان الذي ولد من رحم المعاناة والتضحيات، يمكن أن يمحى بجملة، أو أن يذوب في خارطة لم تعد تعبر عن إرادة الشعوب وتضحياتها.
لقد دفع اللبنانيون على مدى قرن كامل أثمانآ باهظة في سبيل الحفاظ على استقلال وطنهم وخصوصيته وهويته المميزة ضمن المحيط. من مقاومة الاحتلال الفرنسي، إلى إعلان الاستقلال في 1943، إلى صمودهم في وجه الاجتياح الإسرائيلي، والهيمنة الأجنبية، والتدخلات الخارجية المتكررة، كان اللبناني دائمآ متمسكآ بحقه في تقرير مصيره، وبتاريخ دولته التي لا تختزل بجغرافيا أو مصالح إقليمية أو دولية.
من نفي الزعماء الوطنيين إلى راشيا، إلى شهداء الصحافة والكلمة، إلى مقاومي الجنوب الذين قاتلوا دفاعآ عن الكرامة والسيادة، لا يمكن لأحد أن ينكر أن لبنان ليس دولة ولدت بالصدفة، بل قامت على الإصرار، وعلى دماء أبنائها، من كل الطوائف والمناطق، الذين رفضوا الذوبان في مشاريع أكبر منهم، وأثبتوا أن الاستقلال ليس مجرد علم ونشيد، بل فعل مقاومة دائمة في وجه كل وصاية أو تهديد.
أما الحديث عن لبنان كـ”منتجع للسوريين”، فهو اختزال ساذج وظالم لدولة عريقة ساهمت في نهضة المشرق، واحتضنت الثقافة والإبداع والحرية وسط أنظمة القمع. لبنان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا شاطئآ سياحيآ على أطلال أزماته. هو بلد له روح، وله مقاومة، وله شعب رغم تعبه، لا يزال يؤمن بأنه يستحق الحياة الحرة الكريمة.
هذه النظرية التي يلوح بها المبعوث الأميركي ليست واقعية، بل مرفوضة جملة وتفصيلا، وهي تسقط أمام حقيقة واحدة: أن في لبنان مقاومة حية، قدمت وما زالت تقدم التضحيات الجسام كي لا يمس بسيادته، وأن في لبنان شعبا، رغم الجراح، لا يقبل التفريط بوطنه أو الانصهار في أي كيان غريب عن إرادته.
إننا نرفض منطق الابتزاز السياسي المبطن، ونؤمن أن لبنان باق ما بقيت إرادة المقاومة، وروح الاستقلال، والكرامة الوطنية.
د. وشاح فرج

اليمن المقا.وم، قلعة الصمود ومفخرة الأمة

شعب، صنع من الصبر سلاحاً، ومن الجراح وساماً، ومن الحصار مدرسة في الصمود.
شعب، تحمل أعباء الحرب والعدوان، وواجه القصف والتآمر دون أن ينكسر. أرادوا له الفناء، فكان شعلة المقا.ومة التي لم تنطفئ.
هم الشرفاء في زمن تكالبت فيه الأمم عليهم، وتخاذل فيه الكثيرون عن نصرتهم. لم يبيعوا قضيتهم، ولم يركعوا للمحتل أو المستبد، ولم تغرهم الأموال ولا الإغراءات. شرفهم هو الكرامة التي دفعوا ثمنها غالياً، وها هم يسطرون أعظم صفحات العزة.
حملوا لواء الدفاع عن الأمة بأسرها، في وقت تخاذل فيه الكثيرون. لم يقاتلوا دفاعاً عن أرضهم فحسب، بل كانوا حصناً للأمة أمام مشاريع الهيمنة والتقسيم. قاتلوا من أجل فلسطين، من أجل الحرية، ومن أجل ألا يمر المشروع الصه.يوني في منطقتنا.
حين سالت دماء الأبرياء في فلسطين، لم يكتفوا بالكلمات، بل جعلوها ناراً تحرق العدو. في الوقت الذي اكتفى فيه كثيرون بالمشاهدة، كانوا هم في مقدمة الملبين لنداء القدس. لم تخذلهم المسافات ولا الحصار، لأن النخوة تسري في عروقهم.
ورغم كل ذلك، يتعرض اليمن اليوم لأعنف الغارات الأميركية، في محاولة يائسة لتركيع هذا الشعب العظيم. لكن هذه الغارات، بدلاً من أن تضعف إرادتهم، تزيدها عزيمة وإصراراً. فالطائرات الأميركية قد تقتل الأبرياء، لكنها لن تقتل الروح المقا.ومة التي تسري في دمائهم.
إن نصرة اليمن تعني نصرة خط المقا.ومة، نصرة فلسطين، نصرة الحق في وجه الطغيان. ومن يقف مع اليمن اليوم، يقف مع مشروع الأمة في التحرر والاستقلال، ومن يدعم فلسطين، يجد في اليمن حليفاً صادقاً لا يعرف التخاذل. فالمعركة واحدة، والعدو واحد، والخيار واضح: إما مع محور المقا.ومة، أو في صف المستعمرين والمتآمرين.
اليوم، تقع على الشعوب العربية والإسلامية مسؤولية كبرى، فعليها أن تنتصر لمن وقفوا في الصفوف الأولى دفاعاً عن كرامتها. وليكن دعم اليمن جزءاً من دعم القضية الفلسطينية، ولتكن المعركة واحدة ضد كل من يريد لأمتنا الخضوع والاستسلام.
إن فلسطين الأبية لن تتحرر إلا بوحدة الأحرار، ولن يهزم العدو الصه.يوني إلا بتكاتف المقا.ومين في كل مكان. إنها معركة وجود، لا مجال فيها للحياد، فإما أن نكون أمة كريمة حرة، أو أن نترك الأعداء يتحكمون في مصيرنا.
لقد ظنوا أن واشنطن وتل أبيب هما من ترسمان مستقبل المنطقة، لكنهم أخطأوا التقدير. فالتاريخ يكتب اليوم في ميادين الصمود، لا في أروقة السياسة، فاليمنيين الشرفاء، بصمودهم، بثباتهم، بإيمانهم بعدالة قضيتهم، هم الذين سيغيرون الشرق الأوسط، وليس أميركا. فالمعادلة لم تعد كما كانت، والمستقبل يصنع على أيدي المقاومين، لا على طاولات المساومات.

د. وشاح فرج

رحيل شهيد العطاء، وداعآ لصاحب الأيادي البيصاء

في لحظات مليئة بالحزن والأسى، ودعنا شابآ استثنائيآ، رجلآ كان عنوانآ للإنسانية، وأيقونة للعطاء والخير. مدير المستشفى، ابن المؤسسة وصاحب القلب الكبير، الذي كرس حياته لخدمة الآخرين، رحل عنا شهيدآ ليترك خلفه إرثآ خالدآ من النبل والإحسان.
كان الشهيد مثالآ يحتذى به في الإخلاص والتفاني في عمله، حيث لم يكن المستشفى بالنسبة له مجرد مكان للعمل، بل كان ميدانآ لخدمة المحتاجين وبناء جسور الأمل بين الآلام والأحلام. لم يعرف التعب طريقآ إلى قلبه، وكان يسعى دائمآ ليخفف عن المرضى آلامهم، ويزرع في نفوسهم الطمأنينة والثقة.
ورث هذا الشهيد القيم النبيلة من والده، صاحب المستشفى، الرجل الذي أضاء دروب المحتاجين بمصابيح الأمل والعطاء. وبفضل هذه القيم، ترك بصمة لا تمحى في قلوب الجميع، سواءً من زملائه أو المرضى أو كل من عرفه.
إن فقدان هذا الإنسان العظيم ليس خسارة لعائلته فقط، بل خسارة لمجتمع بأكمله، وستظل أعماله الخيرة مصدر إلهام لنا جميعآ.
وداعآ أيها الشهيد، ستبقى ذكراك مشعلآ يضيء الطريق لكل من يسعى للخير والعطاء. إنا لله وإنا إليه راجعون.
د. وشاح فرج