لبنان ليس ليس منتجعًا، بل وطن بني على التضحيات.
كتب الدكتور وشاح فرج:
يطالعنا المبعوث الأميركي بتصريح خطير ومستهجن، يلوح فيه بأن لبنان قد “يعود ليصبح بلاد الشام من جديد” إن لم يتحرك للخروج من أزمته. وكأن هذا الكيان الذي ولد من رحم المعاناة والتضحيات، يمكن أن يمحى بجملة، أو أن يذوب في خارطة لم تعد تعبر عن إرادة الشعوب وتضحياتها.
لقد دفع اللبنانيون على مدى قرن كامل أثمانآ باهظة في سبيل الحفاظ على استقلال وطنهم وخصوصيته وهويته المميزة ضمن المحيط. من مقاومة الاحتلال الفرنسي، إلى إعلان الاستقلال في 1943، إلى صمودهم في وجه الاجتياح الإسرائيلي، والهيمنة الأجنبية، والتدخلات الخارجية المتكررة، كان اللبناني دائمآ متمسكآ بحقه في تقرير مصيره، وبتاريخ دولته التي لا تختزل بجغرافيا أو مصالح إقليمية أو دولية.
من نفي الزعماء الوطنيين إلى راشيا، إلى شهداء الصحافة والكلمة، إلى مقاومي الجنوب الذين قاتلوا دفاعآ عن الكرامة والسيادة، لا يمكن لأحد أن ينكر أن لبنان ليس دولة ولدت بالصدفة، بل قامت على الإصرار، وعلى دماء أبنائها، من كل الطوائف والمناطق، الذين رفضوا الذوبان في مشاريع أكبر منهم، وأثبتوا أن الاستقلال ليس مجرد علم ونشيد، بل فعل مقاومة دائمة في وجه كل وصاية أو تهديد.
أما الحديث عن لبنان كـ”منتجع للسوريين”، فهو اختزال ساذج وظالم لدولة عريقة ساهمت في نهضة المشرق، واحتضنت الثقافة والإبداع والحرية وسط أنظمة القمع. لبنان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا شاطئآ سياحيآ على أطلال أزماته. هو بلد له روح، وله مقاومة، وله شعب رغم تعبه، لا يزال يؤمن بأنه يستحق الحياة الحرة الكريمة.
هذه النظرية التي يلوح بها المبعوث الأميركي ليست واقعية، بل مرفوضة جملة وتفصيلا، وهي تسقط أمام حقيقة واحدة: أن في لبنان مقاومة حية، قدمت وما زالت تقدم التضحيات الجسام كي لا يمس بسيادته، وأن في لبنان شعبا، رغم الجراح، لا يقبل التفريط بوطنه أو الانصهار في أي كيان غريب عن إرادته.
إننا نرفض منطق الابتزاز السياسي المبطن، ونؤمن أن لبنان باق ما بقيت إرادة المقاومة، وروح الاستقلال، والكرامة الوطنية.
د. وشاح فرج
