غزة تقاوم الجوع، والعرب يقاومون الحرج.

بقلم د. وشاح فرج:
في هذه الأيام الحالكة، لا نحتاج إلى صور لنبكي، ولا إلى أخبار لنغضب. ما يجري في غزة لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى ضمير. إلى قلب لا يزال ينبض بشيء من الإنسانية. إلى روح لم تغرق بعد في وحل التطبيع.
نقف أمام مشهد يتجاوز قدرة اللغة على الوصف: طفل لا يقوى على الوقوف من شدة الجوع، حشود من الجائعين، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، يتهافتون وهم يحملون أطباقاً وعلباً فارغة، يركضون نحو مكان توزيع الطعام وكأنهم يركضون نحو الحياة ذاتها. ومنهم من لا يصل، يسقط قبل أن يبلغ المكان المقصود، يودع الدنيا جوعاً في زمن الفائض الغذائي. فهل بقي بعد هذه الصورة معنى للعروبة؟ هل بقي في قواميسنا ما يمكن أن نكتبه ولا نشعر بالخزي؟
أي جرح هذا الذي يذل الإنسان إلى هذا الحد؟ وأي خزي نعيشه نحن حين نرى المشهد، فنقلب الصفحة أو نمر عليه كأنه خبر عابر في نشرة مسائية؟
غزة هاشم، التي قاومت بالحجر، والتي صمدت تحت الحصار، والتي أنجبت رجالاً لا يساومون، تجوع اليوم، لا لشيء سوى لأنها قالت: لا. لأنها ما زالت تمسك بمفتاح بيتها، وترفض أن توقع على وثيقة النسيان.
ما يجري ليس عابراً. إنها وصمة عار سوداء في جبين أمة اعتادت أن تزايد على فلسطين في خطبها، وتخذلها في أفعالها. أصبح التمسك بالكرسي أغلى من التمسك بالقضية، وأصبحت بعض العواصم ترى في الصمت سياسة، وفي التطبيع شطارة، وفي المقاومة عبئاً يجب التخلص منه.
لكن، هل يعقل أن يجوع شعب بكامله في القرن الحادي والعشرين؟ كيف تصل المجاعة إلى أهل الأرض المباركة في زمن الأقمار الصناعية، والاتصالات العابرة للقارات، ومليارات الدولارات التي تهدر على كماليات الترف العربي؟
الجواب واضح، ومخجل: لأن العالم بكل حضارته المزعومة، يرضى بذلك، أو على الأقل يصمت عنه. ولأن الأنظمة التي كانت يجب أن تدافع، اختارت أن تدير ظهرها، وتكتفي بالعبارات الجاهزة.
نحن اليوم أمام مفارقة مروعة: الإنسان الفلسطيني يعاقب لأنه بقي إنساناً. لأنه رفض أن يتحول إلى رقم في معادلة الإذلال، أو إلى لاجئ بلا هوية، أو إلى تابع يصفق للمحتل ويطلب منه اللقمة بثمن الصمت.
لكن، وسط هذا السواد، تبقى شعلة. تبقى تلك القلة التي ما زالت تؤمن أن فلسطين ليست خريطة على جدار، بل اختبار يومي لكرامتنا جميعاً. تلك الأصوات التي، رغم القهر، تحاول أن تزرع زيتونة، أو ترسل شحنة دواء، أو تكتب كلمة مقاومة.
فلسطين اليوم، وغزة بشكل خاص، لا تطلب منا معجزة، بل ألا نخون. ألا نكذب عليها بالبيانات والاحتفالات، ثم نشارك في خنقها بقرارات صامتة أو أبواب مغلقة.
وإن كانت المجاعة قد وصلت، فاعلموا أننا لم نصل إليها صدفة. لقد مشينا نحوها بصمتنا، بخوفنا، بانشغالنا بالقشور. ومهما حاولنا أن نغسل أيدينا من هذا الدم، فلن تنسى غزة من تركها وحيدة وهي تتلوى من الجوع.
إن الجائع الذي لا يستطيع المشي إلا إن أطعمناه، هو مرآتنا. مرآة سقوطنا الجماعي، وانكشاف نفاقنا، وانهيار ما تبقى من أوهامنا القومية

د. وشاح فرج

الامام موسى الصدر، ذاكرة لا تنطفئ، وراية لا تسقط.

كنب الدكتور وشاح فرج: في الذكرى الـ47 لتغييب الإمام الصدر: الغائب الذي لم يغب، والحاضر الذي نفتقده بشدة، في حضرة الذكرى، تختلط الكلمات بالدمع، وتضيق العبارة أمام رجل لم يكن مجرد قائد، بل حالة استثنائية من الوعي والإيمان والكرامة. الإمام موسى الصدر لم يأت إلى لبنان ضيفاً، بل عاد إليه كمن يعود إلى جذوره، يحمل مشروعاً روحياً وأخلاقياً وسياسياً، يرى فيه لبنان وطناً لا طائفة، رسالة لا ساحة، إنساناً لا زعيماً.
ما أعطاه الإمام لهذا الوطن لا يقاس بالحسابات التقليدية للسياسة. لقد أعطاه معنى. أعاد تعريف الهوية الوطنية في زمن كادت تختصر فيه الطوائف بالزعامات، والانتماء بالموقع، والمظلومية بالسكوت. نهض بالطائفة الشيعية من هامش الإهمال إلى مركز الفعل، ولكن لا لينغلق بها، بل لينفتح بها على الوطن كله، ولينسج معها شبكة من العلاقات الإنسانية العابرة للانتماءات الضيقة.
اعتداله لم يكن ضعفاً، بل وعياً بأهمية التوازن الوطني، وغيرته على لبنان لم تكن عاطفة، بل مشروعاً لبناء دولة مدنية عادلة. وكان في تحذيره من إسرائيل لا يكرر شعارات، بل يستشرف خطراً وجودياً، رأى فيه مبكراً تجسيداً لكل ما هو نقيض للحق والكرامة والعدالة. قال عنها إنها “الشر المطلق”، لأنه كان يعلم أن الخطر لا يكمن فقط في سلاحها، بل في مشروعها: تفتيت المنطقة، وتذويب الهويات، وتحويل الشعوب إلى أدوات.
واليوم، بعد سبعة وأربعين عاماً على تغييبه، تشتد الحاجة إليه. فالمنطقة تعيش لحظة تحول رهيبة: خرائط تتبدل، محاور تتقاتل، ومجتمعات تدفع نحو اليأس أو التطرف أو التسليم. لبنان، بما هو عليه من هشاشة وانقسام، لم يعد بمنأى عن هذا الإعصار. نحن في عين العاصفة، والمطلوب ليس فقط النجاة، بل المواجهة بوعي ومسؤولية.
في هذا السياق، تبدو كلمات الإمام كأنها كتبت اليوم، وكأنها خرجت من رحم اللحظة: دعوته إلى وحدة اللبنانيين، إلى بناء الدولة لا سلطات الطوائف، إلى التمسك بالقضية الفلسطينية كمعيار للموقف الأخلاقي، إلى رفض الذل مهما اشتد الحصار، إلى مقاومة الجهل بالفكر، والمذلة بالكرامة، والعدو بالوعي والسلاح.
ولأن الأمانة لا تضيع ما دام لها أهل يصونونها، فإننا نستذكر هنا، وبكل عرفان، دولة الرئيس نبيه بري، حامل الشعلة، والوفي لنهج الإمام. لم يكن الرئيس بري يوماً تابعاً، بل شريكاً في الرؤية والمسار، اختبر مع الإمام لحظات التأسيس، وسار على الطريق الصعب ذاته: طريق المقاومة، والوحدة، والعدالة الاجتماعية. وقد أثبت في مراحل مصيرية من تاريخ لبنان أنه الرجل الذي يمكن الاتكال عليه عندما تضيق الخيارات، ويبهت الأمل.
لكن، آه لو كان الإمام بيننا اليوم. كم كنا بحاجة إلى حكمته، إلى صلابته في زمن الانهيار، إلى وضوحه في عالم المساومات. لربما كنا اليوم أكثر عدلاً في خلافاتنا، وأقل أنانية في حساباتنا، وأصدق في ولائنا لهذا الوطن.
مع كل ذكرى، لا نسأل فقط عن الإمام، بل نسأل عن أنفسنا: هل بقينا على العهد؟ هل نحمل فكر الإمام، أم استبدلناه بخطابات فارغة؟ هل نحلم بلبنان الذي أراده، أم نكتفي ببقائه كاسم على خريطة؟
ختاماً، وفي ظل هذه الذكرى الثقيلة بالحنين والمسؤولية، علينا أن نفتح أعيننا على الأخطار المحدقة بلبنان: من الشرق والشمال، يتهددنا الفكر الإرهابي الذي لم يقض عليه تماماً، ولا تزال فلوله تحاول استغلال هشاشة الواقع للعودة بأساليب جديدة. ومن الجنوب، تستمر الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، ليس فقط عبر الخروقات الجوية والبرية، بل أيضاً عبر السعي لتكريس واقع جديد يتجاوز القوانين الدولية ويهدد السيادة اللبنانية بشكل مباشر.
هذه التهديدات لا تحتمل التهاون، ولا يمكن مواجهتها إلا بوحدة وطنية حقيقية، وبخطاب جامع يعلو فوق الانقسامات. فالإمام الصدر لم يترك لنا وصية من كلمات، بل مشروعاً من أفعال: مشروع الإنسان، المقاومة، والدولة.
فلنكن أهلاً لهذه الوصية، ولنجعل من ذكرى تغييبه بوابة حضور دائم لقيمه، ومناسبة لإعادة الالتزام بما أراده: لبنان الإنسان، لا لبنان الساحة.
د. وشاح فرج

سوبرمان 2025: عدالة الخيال في مرآة الواقع المضطرب

بينما يترقب العالم إطلاق فيلم “سوبرمان” الجديد للمخرج جيمس غان عام 2025، يتجاوز هذا العمل السينمائي كونه مجرد إضافة لسلسلة الأبطال الخارقين، ليصبح مرآة تعكس واقع عالمنا المضطرب والتحديات التي نواجهها. يقدم الفيلم رؤية جديدة للبطل الأيقوني، متخطيًا قصة المنشأ التقليدية، ليغوص مباشرة في عالمٍ أدركت فيه البشرية بالفعل وجود سوبرمان لسنوات، وبدأت تتساءل عن مكان الكائنات الخارقة في مجتمع معولم.

سوبرمان، غزة، ومعضلات التدخل
يضع الفيلم سوبرمان في قلب صراع جيوسياسي بين دولتين خياليتين، “بورافيا” و”جارهانبوري”. هذا النزاع، الذي يتورط فيه ليكس لوثر كـ “مستفيد من الحرب”، يكشف تعقيدات التدخل والسيادة. يمكننا أن نرى تشابهًا مباشرًا ومؤثرًا بين هذا الصراع الخيالي والأزمة الإنسانية الكارثية في غزة، حيث تتفاقم المعاناة الإنسانية بسبب القيود على المساعدات وتستغل بعض القوى الأزمات لتحقيق مكاسب شخصية.
في الفيلم، تتعمق القصة لتكشف عن دافع صادم وراء إرسال والدي سوبرمان الكريبتونيين له إلى الأرض، لم يكن بهدف البقاء فحسب، بل “لاستعباد الكوكب”. هذا التحول المظلم في القصة الأصلية يجبرنا على التساؤل عن مفهوم “الأمل” و”المنقذ” نفسه، ويربط بقوة مع تاريخ “العنف الاستيطاني الاستعماري” حيث تُستخدم روايات “التقدم” غالبًا لإخفاء نوايا الهيمنة والاستغلال.

لوثر وترامب: خطاب السلطة ونزع الشرعية
يتجسد الدافع الأساسي لليكس لوثر في سعيه المهووس لـ “كشف كذب مقولة أن القوة يمكن أن تكون بريئة”. إنه يسعى لشيطنة سوبرمان في نظر الجمهور، ويشبه هذا النهج بشكل لافت استراتيجيات دونالد ترامب الخطابية. فكلاهما يستخدمان أساليب نزع الشرعية الماكرة لتفكيك مصداقية “الأبطال” أو المؤسسات الراسخة، ويخلقان “سردية الأزمة” التي يضعان نفسيهما كحل وحيد لها.
لوثر، بشخصيته اللامعة، الساخرة، والواثقة ظاهريًا، يخفي تحت قناعه “عقدة نقص عميقة”. ورغم أنشطته الإجرامية، يعلن نيته الترشح للرئاسة، مما يعكس رغبته في السلطة المطلقة. هذا يتقاطع مع أسلوب ترامب الشعبوي والمواجه، واستخدامه المكثف لـ “حجم كبير من الأكاذيب” ولغة تحريضية، وتكتيكه المتمثل في “النسيج” الذي يسمح له بتغيير المواقف وتناقض نفسه للحفاظ على “إنكار معقول”. يرى كلاهما في الخوف أداة قوية لممارسة النفوذ، مما يكشف عن دوافع شخصية عميقة تسعى للهيمنة.

وهم البطل الخارق: هل نحتاج لمنقذ؟
غالبًا ما تقدم قصص الأبطال الخارقين رؤية مبسطة للعدالة، تصور النظام القضائي الرسمي على أنه “ضعيف أو فاسد أو غير فعال”، بينما يُبرر “العنف الجيد” للأبطال. هذا قد يقلل خفية من ثقتنا في المؤسسات الديمقراطية. تُشكل هذه السرديات كيف يفسر الجمهور قضايا الجريمة والعدالة، مما يؤدي غالبًا إلى تفضيل الحلول الفردية العاجلة بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل.
بينما يوفر الأبطال الخارقون الأمل والترفيه، فإنهم قد يصرفون الانتباه عن الحاجة الملحة للتغيير الهيكلي العميق، ويعززون فكرة أن العدالة ستتحقق على يد فرد خارق بدلاً من العمل البشري الجماعي الشاق. يطرح الفيلم سؤالًا جوهريًا: هل يكفي “التفاؤل” و”اللطف” كسوبرمان لمواجهة الظلم المنهجي والجيوسياسي المتجذر، كما هو الحال في غزة، أم أنه مجرد وهم مريح يصرف الانتباه عن الحاجة إلى الكفاح البشري المستمر والأطر القانونية الدولية القوية؟

العدالة الحقيقية: بين الخيال والواقع
في الختام، يكشف فيلم سوبرمان الجديد عن نفسه كنص ثقافي قوي يعكس واقع عالمنا المضطرب، والتحديات الإنسانية في غزة، والتشابهات المثيرة للقلق بين شخصيات خيالية وواقعية في سعيها للسلطة. كما يدعونا للتفكير النقدي في مدى تأثير قصص الأبطال الخارقين على تصوراتنا للعدالة.
لا تأتي العدالة الحقيقية في العالم من نزول شخصية شبيهة بالإله من السماء، بل من سعي بشري جماعي مستمر، معقد، وشاق. إنها تتطلب مشاركة نشطة مع القوانين الدولية، ودعمًا لا يتزعزع لحركات حقوق الإنسان، واستعدادًا دائمًا لتحدي الظلم المنهجي. العدالة الحقيقية تنبع من الجهود الدؤوبة للتضامن الإنساني، والكفاح المستمر، وأعمال التحدي الجماعية، والإيمان الراسخ بإنسانيتنا المشتركة.

تم إعداد هذا المقال بالتعاون بين الدكتور محمد إسماعيل وشريكه الاصطناعي جيميناي.

لبنان ليس ليس منتجعًا، بل وطن بني على التضحيات.

كتب الدكتور وشاح فرج:

يطالعنا المبعوث الأميركي بتصريح خطير ومستهجن، يلوح فيه بأن لبنان قد “يعود ليصبح بلاد الشام من جديد” إن لم يتحرك للخروج من أزمته. وكأن هذا الكيان الذي ولد من رحم المعاناة والتضحيات، يمكن أن يمحى بجملة، أو أن يذوب في خارطة لم تعد تعبر عن إرادة الشعوب وتضحياتها.
لقد دفع اللبنانيون على مدى قرن كامل أثمانآ باهظة في سبيل الحفاظ على استقلال وطنهم وخصوصيته وهويته المميزة ضمن المحيط. من مقاومة الاحتلال الفرنسي، إلى إعلان الاستقلال في 1943، إلى صمودهم في وجه الاجتياح الإسرائيلي، والهيمنة الأجنبية، والتدخلات الخارجية المتكررة، كان اللبناني دائمآ متمسكآ بحقه في تقرير مصيره، وبتاريخ دولته التي لا تختزل بجغرافيا أو مصالح إقليمية أو دولية.
من نفي الزعماء الوطنيين إلى راشيا، إلى شهداء الصحافة والكلمة، إلى مقاومي الجنوب الذين قاتلوا دفاعآ عن الكرامة والسيادة، لا يمكن لأحد أن ينكر أن لبنان ليس دولة ولدت بالصدفة، بل قامت على الإصرار، وعلى دماء أبنائها، من كل الطوائف والمناطق، الذين رفضوا الذوبان في مشاريع أكبر منهم، وأثبتوا أن الاستقلال ليس مجرد علم ونشيد، بل فعل مقاومة دائمة في وجه كل وصاية أو تهديد.
أما الحديث عن لبنان كـ”منتجع للسوريين”، فهو اختزال ساذج وظالم لدولة عريقة ساهمت في نهضة المشرق، واحتضنت الثقافة والإبداع والحرية وسط أنظمة القمع. لبنان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا شاطئآ سياحيآ على أطلال أزماته. هو بلد له روح، وله مقاومة، وله شعب رغم تعبه، لا يزال يؤمن بأنه يستحق الحياة الحرة الكريمة.
هذه النظرية التي يلوح بها المبعوث الأميركي ليست واقعية، بل مرفوضة جملة وتفصيلا، وهي تسقط أمام حقيقة واحدة: أن في لبنان مقاومة حية، قدمت وما زالت تقدم التضحيات الجسام كي لا يمس بسيادته، وأن في لبنان شعبا، رغم الجراح، لا يقبل التفريط بوطنه أو الانصهار في أي كيان غريب عن إرادته.
إننا نرفض منطق الابتزاز السياسي المبطن، ونؤمن أن لبنان باق ما بقيت إرادة المقاومة، وروح الاستقلال، والكرامة الوطنية.
د. وشاح فرج

ولـيـام يـازجـي يُطلق”عم خاف” بإحساس عالٍ!

في وقتٍ باتت فيه الأغنية تحتاج إلى صدقٍ وأصالة لتصل، يأتي الفنان وليام يازجي ويقدّم لنا عملًا نابضًا بالإحساس بعنوان “عم خاف”من كلماته، ليؤكد أن الكلمة واللحن عندما ينبعان من وجدان صادق، يلامسان القلوب دون استئذان.
حقّقت الأغنية انتشاراً واسعاً منذ الساعات الأولى لإطلاقها، فتصدّرت الفيديوهات، وتناقلها المحبّون على مختلف المنصات.
في هذا اللقاء، يفتح لنا وليام قلبه، ويتحدث عن تفاصيل العمل، مشاريعه المقبلة، وخوفه الجميل الذي يتحوّل إلى إبداع.

  • بدايةً، أخبرنا عن مضمون أغنية “عم خاف”.
    تتناول الأغنية موضوع شخص خرج من علاقة حب، وبعد فترة تعرّف على شخص جديد، لكنه يعيش صراعاً داخلياً؛ يخاف أن يحبّ مجددًا ويُخيّب أمله، ويخاف في الوقت نفسه ألّا يحبّ ويُضيّع فرصة الشخص الصحيح الذي كان يبحث عنه طوال الوقت.
  • اللّحن رائع جداً…مع من تعاونت في هذا العمل؟
    تعاونت مع صديق الطفولة Liam Andersson، وهو مقيم في السويد. إنه مغنٍ وملحن موهوب جداً، عمل بجهد وصبر ليحوّل شغفه إلى نجاح ملموس. إن التعامل معه مميز، لأنه يحمل في داخله شغفًا حقيقياً، وتولد موسيقاه من إحساس صادق يلامس القلب.
  • كيف توقّعتَ ردّة فعل الجمهور؟
    بصراحة، كنتُ خائفاً جداً قبل طرح الأغنية بيومين. كنت متوتراً من ردّة فعل الجمهور.
    لكن عندما أطلقت ال “برومو”، تلقيّت أصداءً إيجابية جداً. تفاعل الناس بشكل رائع بالعمل، بدأوا بتصوير فيديوهات ويشاركوني بها، ويسمعوا الاغنية في سيارتهم..
    هذا الحب زاد خوفي لأنني لم أكن أعرف إن كانت الأغنية ستكون فعلًا على قدر توقّعاتهم. لكن الحمدلله، منذ اليوم الأول وصلت المشاهدات إلى 200 ألف، وتأكدت أنّ الأغنية على الطريق الصحيح.
  • أي لون غنائي تفضّله وتتميّز به؟
    أميل إلى اللون الرومانسي المليء بالإحساس. أغنّي لأوصل إحساسي إلى الناس وأعبّر عن مشاعرهم قدر المستطاع.
  • مع مَن تحب أن تؤدي ديو؟ ولِمَن تسمع اليوم؟
    أتمنى تقديم ديو مع شيرين، أصالة، تامر حسني، وجاد شويري (مع حفظ الألقاب).
    بالمجمل، أسمع للجميع، وأحترم كل فنان يقدّم لونًا خاصًا به. إنّ كل شخص لديه طريقته وأحاسيسه المختلفة.
  • هل تحضّر لأعمال جديدة؟
    أكيد! بعد “عم خاف”، هناك أغنية باللهجة المصرية جميلة جداً.
    أنا متفائل دائماً، لكن قلبي لا يخلو من القلق والخوف.
    في الوقت الحالي، أعيش نجاح “عم خاف”، اضافة لحفلات عدة أحضرّها بدقّة.
    رابط اليوتيوب:
الفَسَادُ مِنَ الشَّعْبِ فِي لُبْنَانَ: قَبْلَ أَنْ نُحَاسِبَ الحُكُومَةَ، هَلْ نُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا؟

لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَنْظُرَ الشَّعْبُ فِي مِرْآةِ ذَاتِهِ. فَفِي الأَزْمَاتِ، نَمِيلُ إِلَى بَسْطِ التُّهْمَةِ عَلَى “الآخَرِ”، خَاصَّةً إِذَا كَانَ هَذَا الآخَرُ هُوَ السُّلْطَةُ، أَوْ مَنْ يَتَحَكَّمُ بِمَصِيرِ النَّاسِ وَمَوَارِدِهِمْ. وَفِي الحَالَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ، حَيْثُ يَتَدَاوَلُ المُوَاطِنُونَ كَلِمَاتٍ كَـ”السَّرِقَةِ” وَ”الفَسَادِ” وَ”المُحَاصَصَةِ” بِسُهُولَةٍ، يُصْبِحُ مِنَ البَدَاهَةِ أَنْ تُلْقَى كُلُّ المَسْؤُولِيَّةِ عَلَى الحُكُومَةِ وَالنُّخَبِ السِّيَاسِيَّةِ. وَلَكِنَّ التَّحَوُّلَ الجُرْأَةِ حَقِيقَةً يَبْدَأُ عِنْدَمَا نَسْأَلُ: مَا دَوْرُنَا نَحْنُ فِي كُلِّ مَا جَرَى وَيَجْرِي؟ هَلْ نَحْنُ بَرِيئُونَ مِنَ الفَسَادِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟

فِي خِضَمِّ الأَزْمَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ المُسْتَعْصِيَةِ، تَتَّجِهُ أَصَابِعُ الاِتِّهَامِ دَوْمًا نَحْوَ الحُكُومَةِ وَالسُّلْطَةِ، وَيُرَكِّزُ الشَّعْبُ غَضَبَهُ عَلَى المَسْؤُولِينَ، مُتَّهِمًا إِيَّاهُمْ بِالنَّهْبِ وَالفَسَادِ وَالإِخْفَاقِ. وَلَكِنْ، بَيْنَ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِنَ الغَضَبِ وَالنَّقْمَةِ، يَبْدُو أَنَّ السُّؤَالَ الأَخْطَرَ وَالأَشْجَعَ هُوَ: هَلْ نَحْنُ نُؤَدِّي وَاجِبَاتِنَا كَمُواطِنِينَ، قَبْلَ أَنْ نُطَالِبَ الحُكُومَةَ بِوَاجِبَاتِهَا؟

فَالفَسَادُ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى السِّيَاسَةِ وَالدَّوْلَةِ، بَلْ يَتَسَلَّلُ إِلَى التَّفَاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ: رَشْوَةٌ صَغِيرَةٌ، تَزْوِيرُ مَعَامَلَةٍ، رَمْيُ نُفَايَاتٍ فِي الشَّارِعِ، تَجَاوُزُ إِشَارَةِ سَيْرٍ، اِسْتِخْدَامُ الوَاسِطَةِ، أَوِ التَّهَرُّبُ مِنَ الضَّرَائِبِ. وَكُلُّهَا تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ ثَقَافَةٍ فَاسِدَةٍ تُطَبِّعُ مَعَ الخَطَأِ، وَتُجَمِّلُ القَبِيحَ، وَتُغَذِّي التَّفَلُّتَ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ. فَكَيْفَ نُرِيدُ بِنَاءَ دَوْلَةٍ عَادِلَةٍ، وَنَحْنُ نَكْسِرُ قَوَاعِدَ العَدَالَةِ فِي سُلُوكِنَا اليَوْمِيِّ؟ فِي ظِلِّ هَذِهِ البِيئَةِ، تَصِيرُ العَلَاقَةُ مَعَ القَانُونِ نَفْعِيَّةً: نُرِيدُهُ عِنْدَمَا يُفِيدُنَا، وَنَتَجَاوَزُهُ عِنْدَمَا يُقَيِّدُنَا. وَهُنَا يَكْمُنُ الجَذْرُ العَمِيقُ لِلمُشْكِلَةِ: نَحْنُ نُطَالِبُ بِالحُقُوقِ، وَلَكِنْ نَتَسَاهَلُ فِي الوَاجِبَاتِ، فَنُفْقِدُ التَّوَازُنَ الأَسَاسِيَّ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ أَيَّةُ دَوْلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.

وَإِذَا كُنَّا نُحَمِّلُ السِّيَاسِيِّينَ وَالحُكُومَاتِ وِزْرَ الفَسَادِ، فَيَجِبُ أَنْ نَعْتَرِفَ أَيْضًا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُمَثِّلُ الطَّوَائِفَ وَالأَحْزَابَ فِي لُبْنَانَ قَدْ شَارَكَ فِي الحُكُومَاتِ مُنْذُ اغْتِيَالِ رَفِيقِ الحَرِيرِي فِي شُبَاطَ 2005 وَحَتَّى اليَوْمِ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُطَالِبُ بِـ “حِصَّتِهِ” فِي الوِزَارَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، وَيُقَدِّمُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ “إِرْثِ أَبِيهِ”، وَلَيْسَ كَخَادِمٍ لِلصَّالِحِ العَامِّ. وَفِي ظِلِّ غِيَابِ المُرَاقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ، صَارَ كُلُّ حِزْبٍ يُسَطِّرُ بِقَلَمِهِ مَا يَسْعَى لِجَنْيِهِ، وَيَتَنَافَسُونَ عَلَى المَكَاسِبِ، نَاسِينَ فِكْرَةَ “الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ”. وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الدَّوْلَةَ تُكْثِرُ مِنَ القَوَانِينِ وَالقَرَارَاتِ، لَكِنَّهَا لَا تُطَبِّقُهَا عَلَى أَحَدٍ، وَلَا تُحَاسِبُ مَنْ يُخَالِفُهَا، فَتُسَاهِمُ بِذَلِكَ فِي اِسْتِسْهَالِ الفَوْضَى وَتَبْرِيرِهَا بِـ “ضَعْفِ بِنْيَةِ الدَّوْلَةِ”! وَهَكَذَا يُصْبِحُ كُلُّ خَلَلٍ مَقْبُولًا، وَكُلُّ خُرُوقٍ مُبَرَّرًا، وَكُلُّ جِنَايَةٍ دُونَ عِقَابٍ. وَفِي هَذِهِ البِيئَةِ، تَسْقُطُ أَسُسُ الوَطَنِ وَتَسُودُ “الغَابِيَّةُ” السِّيَاسِيَّةُ وَالاِجْتِمَاعِيَّةُ.

فَلْنَكُنْ صَادِقِينَ: مَا لَمْ نُصْلِحْ أَنْفُسَنَا، لَنْ نُصْلِحَ الدَّوْلَةَ. وَمَا لَمْ نُرَبِّي أَجْيَالًا تُقَدِّسُ الأَمَانَةَ وَالقَانُونَ، فَسَتَبْقَى الوَطَنِيَّةُ شِعَارًا فَارِغًا، وَسَيَبْقَى الفَسَادُ ثَقَافَةً مُتَجَذِّرَةً فِي العُقُولِ وَالسُّلُوكِ. إِنَّ الإِصْلَاحَ الحَقِيقِيَّ لا يَبْدَأُ بِتَغْيِيرِ الوُجُوهِ، بَلْ بِتَغْيِيرِ النُّفُوسِ، وَبِزَرْعِ قِيمِ المُوَاطَنَةِ الصَّادِقَةِ، وَبِنَاءِ وَعْيٍ جَمَاعِيٍّ يُرَاقِبُ، وَيُصَحِّحُ، وَيُحَاسِبُ. فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا الدَّائِمُ:
“نُحَاسِبُ الحُكُومَةَ، نَعَمْ… وَلَكِنْ نَبْدَأُ بِأَنْفُسِنَا أَوَّلًا.”

ريمي العمار تُجسّد رؤية سمو الشيخة مهرة بجمال بصري مستوحى من روح الصحراء

برؤية فنية جمعت بين الأصالة والحداثة، أخرجت المخرجة ريمي العمار حملة بصرية مميّزة لعلامة XTIANNA، المستوحاة من التراث الإماراتي وروح الصحراء.
الحملة، التي جاءت كتحية فنية للهوية العربية، سلّطت الضوء على حضور سمو الشيخة مهرة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، التي ظهرت بإطلالة آسرة تعبّر عن قوة الأنوثة وتَجذّرها في الأصالة.

تولّى فريق NRJ Media تنفيذ الحملة من الفكرة إلى الإخراج والتصوير، مرورًا بالتأليف الموسيقي، ما منح المشروع طابعًا متكاملًا من حيث الرؤية والإنتاج.

اللافت في العمل كان المشاركة الصوتية المؤثرة للفنان جهاد عكلية، الذي أضفى بُعدًا شعوريًا عميقًا عزّز من وقع المشاهد، وهو المعروف بمشاركاته في فعاليات إقليمية كبرى مثل “إكسبو” و”مواسم السعودية”.

المخرجة ريمي العمار وصفت العمل بأنه “احتفال بصري بالجمال العربي الأصيل”، مشيدة بتألّق سمو الشيخة خلال التصوير، وبالأثر الفني العميق الذي أضافه صوت جهاد عكلية.

في تقاطع الصحراء والعدسة، وُلدت رؤية تحتفي بالأنوثة والفخامة، وتحمل في طياتها لمسات من هوية ثقافية راسخة.

المُعلِّمُ أولًا: إشرافٌ تربويٌّ يَصنعُ مستقبلَ المؤسسات التربوية

في ظِلِّ الأزماتِ المتلاحقةِ التِي تعصفُ بالقطاعِ التربويِّ في لبنانَ، من تراجعِ الإمكاناتِ الماديَّةِ، وضُغوطِ العملِ الهائلةِ، وهجرةِ الكفاءاتِ، تبرزُ الحاجةُ الملحّةُ إلى إعادةِ النظرِ الجذريةِ في موقعِ المعلمِ ودورهِ في المدرسةِ الحديثةِ. لم يعدِ المعلمُ مجرّدَ منفّذٍ للخططِ التعليميةِ أو ناقلٍ للمعلوماتِ، بل أصبحَ جوهرَ العمليةِ التربويةِ وروحَها، وبدونهِ لا يمكنُ تحقيقُ أيِّ إصلاحٍ أو تطويرٍ حقيقيٍّ. المعلمُ اليومَ يواجهُ بيئةً صعبةً مليئةً بالتحدياتِ اليوميةِ التِي تبدأُ بضعفِ المواردِ وانعدامِ الاستقرارِ الوظيفيِّ، ولا تنتهي باضطرابِ الأحوالِ النفسيةِ والاجتماعيةِ للمتعلمينَ أنفسِهم. ومع ذلك، لا تزالُ بعضُ المؤسساتِ التربويةِ، تتعاملُ مع المعلمِ بمنطقِ “الربح، و الخسارة”، إذا تعثّرَ أو ضعفَ، يُستبدلُ بسرعةٍ كأيِّ منتجٍ تجاريٍّ في السوق، بلا ترددٍ، متجاهلةً أن المعلمَ ليس سلعةً بل هو الإنسانُ التِي يحملُ في قلبهِ رسالةَ التربيةِ قبلَ أن يحملَ في يدهِ طبشورةَ التعليمِ.

إنَّ المدرسةَ ليست متجرًا، والمعلمُ ليس بضاعةً قابلةً للإلغاء عندَ أولِ خطأٍ أو أولِ هفوةٍ. بل على العكسِ، إنَّ نجاحَ المدرسةِ وتقدّمها وجودةَ مخرجاتِها تبدأُ من المعلمِ نفسهِ، من تعزيزِ كفاءتِهِ، دعمِ نفسيّتِهِ، وتوفيرِ بيئةٍ مهنيةٍ آمنةٍ تتيحُ لهُ النموَّ والتطورَ، تمامًا كما نطالبُ المتعلّمَ بأن يتعلّمَ على مهلٍ ويخطئَ ويتحسّنَ. من هنا، يصبحُ الإشرافُ التربويُّ وظيفةً إنسانيةً عميقةً قبلَ أن يكونَ مجرّدَ وظيفةٍ رقابيّةٍ أو تقويميةٍ. إشرافٌ لا يقتصرُ على قياسِ الأداءِ وتسجيلِ النقاطِ، بل يتّجهُ نحو احتضانِ المعلمِ في سنواتِهِ الأولى، ومرافقتهُ بخطى ثابتةٍ، ليعيدَ تشكيلَ كفاياتِهِ تدريجيًا وفقَ حاجاتِهِ الواقعيةِ، لا وفقَ توقعاتٍ نظريةٍ قديمةٍ أو معاييرَ نمطيةٍ.

وفي هذا السياقِ، تزدادُ الحاجةُ إلى خطةٍ إشرافيّةٍ تراعي هذهِ الأبعادَ الإنسانيةَ والمهنيةَ، خاصةً في لبنانَ الذي يرزحُ تحت وطأةِ أزماتٍ متعدّدةٍ أثّرتْ بعمقٍ على المدرسةِ والمعلمِ والمتعلّمِ معًا. فالمعلمُ التِي يتمتّعُ بثقةٍ مهنيةٍ ودعمٍ إشرافيٍّ سليمٍ، قادرٌ على النهوضِ بصفّهِ، وإحداثِ فرقٍ حقيقيٍّ في تعلمِ المتعلمينَ، بغضِّ النظرِ عن صعوبةِ الظروفِ. ولعلَّ أفضلَ ما يختصرُ هذهِ الفكرةَ ما قالَهُ التربويُّ العالميُّ “جون ديوي”: “إذا علّمنا اليومَ كما كنّا نعلّم بالأمسِ، فإنّنا نسرقُ أطفالنا مستقبلَهُم.” وهذا ينطبقُ أيضًا على المعلمِ نفسهِ: إذا لم نشرفْ عليهِ اليومَ بطريقةٍ تراعي تحوّلاتِ العصرِ، فإنّنا نفقدُهُ مستقبلَهُ المهنيَّ وفرصتَهُ الحقيقيةَ للنموِّ.

أهميةُ الإشرافِ المرافقِ لمسيرةِ المعلمِ

يتخرجُ معظمُ المعلمينَ من الجامعاتِ بشهاداتٍ في التعليمِ، أو حتى في اختصاصاتٍ غيرِ تربويةٍ كالْهندسةِ، الرياضياتِ، أو العلومِ، لينتقلوا فجأةً إلى عالمِ المدرسةِ الحقيقيِّ المليءِ بالتحدياتِ المتغيرةِ، الذي يختلفُ كليًا عمّا تعلّموهُ في قاعاتِ المحاضراتِ. في الواقعِ، تنقسمُ مسيرةُ المعلمِ الجديدِ إلى ثلاثِ مراحلَ رئيسيّةٍ ينبغي على المشرفينَ التربويينَ مواكبتها بذكاءِ وتفهمٍ:

السنةُ الأولى: سنةُ الاكتشافِ، فيها يتعرّفُ المعلمُ على بيئةِ المدرسةِ، سلوكِ المتعلّمينَ، طبيعةِ الصفوفِ، ضغوطِ المهنةِ، ومتطلباتِ الإدارةِ، ما يجعلهُ عرضةً للارتباكِ والترددِ، لكنه يظلُّ حيويًّا متحمّسًا.

السنةُ الثانية: سنةُ التوجيهِ والتزويدِ بالكفاياتِ، بعد مرحلةِ الصدمةِ الأولى، يصبحُ المعلمُ أكثرَ استعدادًا لتلقي التوجيهِ، ويحتاجُ لدعمٍ مباشرٍ لتطويرِ أدواتِهِ: تخطيطُ الدروسِ، ضبطُ الصفِّ، التقييمُ البديلُ، واستراتيجياتُ التعليمِ النَّشطِ.

السنةُ الثالثة: سنةُ التمكينِ والقرارِ، هنا تظهرُ معالمُ شخصيةِ المعلمِ المهنيةِ؛ هل نجحَ في تطويرِ ذاتهِ؟ هل قرّرَ الاستمرارَ في المهنةِ؟ هل أصبحَ مؤهَّلًا ليقودَ الصفَّ باستقلاليةٍ وثقةٍ؟

حين يتخرّجُ المعلمُ من الجامعةِ حاملًا إجازةً تعليميةً، أو حتى إجازةً في اختصاصٍ آخرَ كالرياضياتِ أو العلومِ، يظنُّ البعضُ أنّه باتَ مؤهَّلًا لخوضِ الميدانِ التربويِّ فورًا بكفاياتٍ مكتملةٍ. لكنّ الواقعَ التربويَّ في المدارسِ – خاصّةً في لبنانَ – أثبتَ أنَّ هذه الكفاياتِ لا تكتملُ إلّا بالتجربةِ الميدانيةِ والمرافقةِ الإشرافيّةِ الحكيمةِ. فالعامُ الأولُ في حياةِ أيِّ معلمٍ جديدٍ هو عامُ الاكتشافاتِ: يكتشفُ ذاتهُ، صفوفَهُ، واقعهُ، صدماتهُ، وصدقهُ المهنيَّ. أمّا العامُ الثاني، فهو عامُ التوجيهِ وتزويدهِ بما يحتاجُهُ من استراتيجياتٍ وأدواتٍ واقعيةٍ غيرِ تلكَ التِي تلقّاها نظريًّا في الجامعةِ. أمّا العامُ الثالث، فهو عامُ جني النتائجِ واتخاذِ القرارِ: هل هو مستمرٌّ في هذا المسارِّ؟ هل حقّق تقدّمَهُ؟ هل تخطّى مخاوفَهُ؟

لِهذَا، فإنَّ كلَّ معلمٍ جديدٍ بحاجةٍ ماسّةٍ لفرصةٍ حقيقيةٍ لاختبارِ نفسهِ في ظلِّ دعمٍ متواصلٍ، وليسَ لحكمٍ مبكّرٍ يقضي عليهِ في أولِ تعثّرٍ. إنَّ غيابَ هذهِ الفرصةِ يحوّلُ الإشرافَ إلى ما يشبهُ ممارسةَ “تلحصانِ الميتِ” – حيث نفترضُ أنَّ المعلمَ قد فشلَ منذ البدايةِ، فنمارسُ عليهِ إشرافًا سلبيًّا يقتلهُ نفسيًّا قبلَ أن يمنحَ فرصتَهُ الحقيقيةَ. بينما في الواقعِ، هذا “الحصانُ” حيٌّ، مليءٌ بالحماسِ، والرغبةِ في الإنجازِ، فقط بحاجةٍ لمن يعلمهُ كيفَ يركضُ بأمانٍ وثقةٍ.

إنَّ الإشرافَ الإيجابيَّ المرافقَ منذ السنةِ الأولى كفيلٌ بأن يجعلَ هذا المعلمَ عنصرًا ناجحًا في المدرسةِ، لا مجرّدَ رقمٍ مؤقتٍ ينتظرُ استبدالهُ. ولا يمكنُ لأيِّ إشرافٍ أن يحقّقَ هذا الدورَ إذا كان سلبيًّا، ناقدًا فقط، خاليًا من الإيمانِ بقدرةِ المعلمِ على النموِّ والتغييرِ. من هنا، تأتي خطةُ الإشرافِ هذه لتمنحَ كلَّ معلمٍ – مهما كان تخصصهُ أو ظروفهُ – فرصةً للنجاحِ الحقيقيِّ والتطورِ المتدرّجِ خلال ثلاثِ سنواتٍ، تنقلهُ من الاكتشافِ، إلى التوجيهِ، ثمَّ إلى التمكينِ والقرارِ الواعيِ.

أهدافُ الخطةِ الإشرافيّةِ

تطويرُ الكفاياتِ التدريسيّةِ، رفعُ مستوى مهاراتِ المعلمينَ في تخطيطِ، تنفيذِ، وتقييمِ الدروسِ، مع توظيفِ استراتيجياتِ تدريسٍ متنوعةٍ وفعّالةٍ تلائمُ السياقَ اللبنانيَّ. تعزيزُ النموِّ المهنيِّ المستمرِّ، تشجيعُ المعلمينَ على مواصلةِ التعلّمِ الذاتيِّ والمشاركةِ في الدوراتِ التدريبيةِ والأنشطة المهنيةِ، لمواكبةِ المستجدّاتِ التربويّةِ. تحسينُ البيئةِ الصفيّةِ، تهيئةُ مناخٍ تعليميٍّ محفّزٍ، يضمنُ الشعورَ بالأمانِ والتقديرِ للمعلمِ والمتعلّمِ على السواءِ، ويعزّزُ التفاعلَ والانخراطَ الصفيَّ. رفعُ مستوى التحصيلِ الدراسيِّ للمتعلمينَ، تحقيقُ تحسّنٍ ملموسٍ في نواتجِ التعلّمِ عبر تحسينِ جودةِ التدريسِ وتقديمِ الدعمِ الأكاديميِّ والنفسيِّ المناسبِ للمتعلمينَ.

استراتيجياتُ الإشرافِ المعتمدةُ

الإشرافُ الصفيُّ المباشرُ، تنفيذُ زياراتٍ صفّيّةٍ منهجيّةٍ يعقبُها جلساتُ تغذيةٍ راجعةٍ تشاركيّةٍ مع المعلمينَ. الإشرافُ التطوّريُّ الفرديُّ، تصميمُ خططِ نموٍّ مهنيّةٍ خاصةٍ بكلِّ معلمٍ وفق نقاطِ قوّتهِ وضعفهِ. الإشرافُ المتعدّدُ الوسائطِ، تنظيمُ دروسٍ نموذجيّةٍ، ورشٍ تربويّةٍ، زياراتٍ تبادليّةٍ بين المعلمينَ، ونشراتٍ تعليميّةٍ تثقيفيّةٍ. الإشرافُ التدريبيُّ، تنفيذُ برامجَ تدريبيّةً متخصّصةً ترتكزُ على مهاراتِ التعليمِ النشطِ، التقويمِ البديلِ، استراتيجياتِ الدمجِ، وغيرها. الإشرافُ الميدانيُّ المستمرُّ، ضمانُ تواجدِ المشرفِ المقيمِ في المدرسةِ لمرافقةِ المعلمينَ ميدانيًّا وتقديمِ الدعمِ العمليِّ المباشرِ.

آليّاتُ تنفيذِ الخطةِ

وضعُ خطةِ عملٍ مرحليّةٍ، تحديدُ الأهدافِ والأنشطةِ لكلِّ سنةٍ، توزيعُ المسؤولياتِ، وضبطُ الجداولِ الزمنيّةِ بدقّةٍ. توفيرُ بيئةِ دعمٍ متكاملةٍ، تأمينُ المستلزماتِ الماديّةِ والتقنيّةِ، وتقديرُ جهودِ المعلمينَ معنويًّا ومهنيًّا. عقدُ لقاءاتٍ دوريّةٍ، تنظيمُ اجتماعاتٍ إشرافيّةٍ شهريّةٍ لمناقشةِ سيرِ العملِ، تبادلِ الأفكارِ، ومعالجةِ الصعوباتِ. تقديمُ تغذيةٍ راجعةٍ فعّالةٍ، إعدادُ تقاريرَ مفصلةٍ لكلِّ معلمٍ تتناولُ نقاطَ القوّةِ والفرصَ التطويريّةِ، مع توصياتٍ عمليّةٍ محدّدةٍ. تقييمُ الأداءِ بشكلٍ دوريٍّ، تنفيذُ أدواتِ تقييمٍ شاملةٍ (ملاحظةٌ صفّيّةٌ، مقابلاتٌ فرديّةٌ، استبياناتٌ) لمراقبةِ التقدّمِ وتوجيهِ خططِ التطويرِ.

الخاتمةُ

في ظلِّ التَّحوُّلاتِ العميقةِ التي تَشهَدُها المدرسةُ اللبنانيَّةُ، لم يَعُدْ مَقْبولًا التَّعامُلُ معَ المُعلِّمِ كعُنْصُرٍ قابِلٍ للإلغاءِ أو الإقصاءِ عندَ أوَّلِ تَعَثُّرٍ. بل باتَ مِنَ الضَّروريِّ تَبَنِّي فَلسفةٍ إشرافيَّةٍ قائمةٍ على الإيمانِ بِقُدْرَةِ المُعلِّمِ على التَّعَلُّمِ، والنُّموِّ، والتَّجَدُّدِ، مَتى ما أُتِيحَتْ لهُ البِيئَةُ الحاضِنةُ والدَّعمُ المُناسِبُ.

إنَّ هذه الخُطَّةَ الإشرافيَّةَ المُمَتِّدَةَ على ثلاثِ سَنَواتٍ تُمَثِّلُ استِجابَةً حَقيقيَّةً لهذِهِ الحاجَةِ، إذ تَضَعُ المُعلِّمَ في مَركَزِ الاهتِمامِ، وتُوَفِّرُ لهُ مَسارًا مِهَنيًّا مُتَدَرِّجًا يُعيدُ إِليهِ ثِقَتَهُ بِنَفسِه، ويُعيدُ للمدرسةِ دَورَها كَحاضِنَةٍ للنُّمُوِّ البَشَريِّ قَبلَ أَن تَكونَ مُؤسَّسَةً لِلنَّتائِجِ وَالأَرقَامِ.

إنَّ إصلاحَ التَّعليمِ في لبنانَ يَبدأُ مِن هُنا: مِن تَمكينِ المُعلِّمِ ليُصبِحَ صانِعًا حقيقيًّا لِلتَّغْييرِ، لا مُجرَّدَ مُنفِّذٍ لِسِياساتٍ مَرسَلةٍ مِن الخَارجِ.

ويَصدُقُ في هذَا المَقَامِ قَولُ التَّربويِّ العَربيِّ الدُّكتورِ عَبدُ الرَّحمنِ بِدوي: “المُعلِّمُ هُوَ الَّذي يَصنَعُ الأُمَّةَ، فَإن أَحسَنا تَكوينَهُ أَطلَقنا طاقاتِ الأُمَّةِ بِأسرِها.”

السَّادةُ المُرَبُّونَ والمُشرِفونَ الأفاضل، إِنَّ مَسؤوليَّتَكُم عَظيمةٌ في رِعايةِ المُعلِّمِ ومُرافقتِه في رِحلَتِه المِهَنيَّةِ، لِتَكونَ المدرسةُ حَقًّا مَنَبَعَ إشراقٍ وعطاءٍ مُستدامٍ.

همسة قلب: حكاية الأمل في عيني مصطفى

خلال مشوار الحياة، حيث تتراقص أقدار البشر بين ضوء الشمس وعتمة اليأس، تولد حكاياتٌ تنسجها خيوط الإنسانية من ألمٍ عميق وأملٍ لا ينضب. هذه ليست مجرد كلمات، بل هي أنين قلب، ورجاء روح، وقصة تلامس الوجدان، حكاية مصطفى الأحمر، الأب الذي تئن روحه شوقًا لرؤية أطفاله يكبرون، ضحكاتهم تملأ الفضاء، وخطواتهم ترسم دروب الحياة. لكن الداء يتسرب إلى أوردته، قلبٌ أنهكه المرض، وبات يصرخ في صمتٍ موجع، يناشد الحياة بقلبٍ جديد ينبض بالأمل.

إنها عملية جراحية، ليست مجرد تدخل طبي، بل هي جسرٌ يمتد بين الحياة والموت، تكلفتها الباهظة تتراوح بين 200 إلى 500 ألف دولار، رقمٌ قد يكسر الأمل في نفوس الكثيرين، لكنه لم يكسر إرادة الخير في هذه الأرض الطيبة. فمن رحم هذا التحدي، وُلدت معجزة الإنسانية على أيدي كوكبة من الشباب والشابات الغيورين، بقيادة الروحين النبيلتين، علي الهادي مظلوم وتيمور إسماعيل. هؤلاء الأبطال، بأعدادهم الغفيرة، لم يعرفوا طعم الراحة؛ عرق جباههم يروي دروب الخير تحت أشعة الشمس الحارقة، وأياديهم تحمل صناديق الأمل، يجمعون التبرعات بقلوبٍ تشتعل إيمانًا بأن الحياة تستحق أن تُمنح فرصة ثانية، وأن بسمة طفل تستحق كل التضحية. إنها حملةٌ انبعثت من أعماق القلوب، لتضيء كفانوسٍ في ليل اليأس.

هل مددت يد العون؟
ولكن، في دروب الخير دائمًا ما تظهر ظلال التشكيك، أصواتٌ تحاول أن تزرع بذور اليأس، وتتساءل ببرودٍ عن جدوى هذه الحملة، عن إمكانية نجاح العملية والتعافي حتى الشفاء. هذه الشكوك قد تتجاوز مجرد التساؤلات المشروعة لتطال أمانة الشباب والشابات القائمين على الحملة، فنوايا بعض المشككين قد تكون غير صافية، تسعى لعرقلة هذا المسعى النبيل، بينما قد تكون نوايا آخرين نابعة من قلق حقيقي أو عدم إلمام بالواقع.
إلى هذه القلوب المترددة، نسأل بوجعٍ وأملٍ معًا: ألا يكفي أن نزرع الأمل في عيون أطفالٍ ينتظرون أبًا؟ ألا يكفي أن نعيد النبض لقلبٍ أرهقه الألم؟ أليس هذا بحد ذاته أعظم إنجاز؟ فالموت والحياة بيد الخالق، والشفاء بيده، والأعمار بيده، وهو القادر على كل شيء. إن زرع الأمل هو بذرةٌ تنمو في تربة اليأس، لتزهر حياةً جديدة، فإضاءة شمعة في الظلام خيرٌ من لعنه ألف مرة.

أخي القارئ، أختي القارئة، هذه ليست مجرد قصة عابرة تقرأها وتطويها، بل هي دعوةٌ صادقة، نداءٌ من قلبٍ مكلوم: ماذا فعلتَ أنتَ لمصطفى الأحمر؟ هل شاركتَ في صناعة المعجزة المنتظرة؟ هل مددت يد العون لقلبٍ يتوق للحياة؟ لنجعل قلب مصطفى ينبض من جديد، ليس بقلبٍ طبيعي فحسب، بل بقلبٍ يفوح بالأمل، قلبٍ أحيته أرواحٌ كريمة، وقلوبٌ آمنت بأن الإنسانية قادرة على تجاوز المستحيل.

هروب عاملات المنازل والدعارة
عاملات المنازل في لبنان: استغلال الكفالة والهروب إلى فخاخ الدعارة

مقدمة: الكفيل المتضرر: واقع استغلالي يواجهه المواطن اللبناني

يواجه لبنان ظاهرة مقلقة ومعقدة تتمثل في استغلال بعض العاملات المنزليات لنظام الكفالة كوسيلة للقدوم إلى البلاد 2، ثم يعمدن إلى الهروب من منازل أرباب عملهن للانخراط في أعمال الدعارة بهدف الكسب المادي السريع والكبير، حتى لو كان ذلك عبر أعمال منافية للأخلاق.3 هذا الواقع يضع عبئًا ماديًا ومعنويًا كبيرًا على المواطن الكفيل الذي يتكبد تكاليف استقدامهن 3، ليجد نفسه أمام خسائر مالية فادحة جراء طمع هؤلاء العاملات والقوادين الذين يديرون هذه الشبكات الإجرامية 3، في ظل تقاعس الدولة عن معالجة هذه الظاهرة بشكل فعال.2

تهدف هذه المقالة الصحفية إلى تسليط الضوء على هذا الجانب من الأزمة، مستكشفة الأبعاد المتعددة لاستغلال الكفيل، من الأساليب المتبعة في الهروب، إلى دور شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي 8، وصولاً إلى التداعيات الاقتصادية والقانونية على الكفلاء.3 يعتمد هذا التحقيق على معلومات موثوقة ومصادر دقيقة، لتقديم صورة شاملة وعميقة لهذه القضية الملحة، بهدف تعزيز الفهم العام وحفز الجهود نحو إيجاد حلول تحمي المواطن الكفيل وتكافح هذه الأنشطة غير المشروعة.

الفصل الأول: نظام الكفالة: بوابة للاستغلال المتبادل

يُعد نظام الكفالة إطارًا قانونيًا راسخًا في لبنان، يحدد العلاقة بين العمال المهاجرين الأجانب وأرباب عملهم.2 بموجب هذا النظام، يرتبط الوضع القانوني للعمالة المنزلية، بما في ذلك تصريح إقامتها وعملها، بكفيل واحد.2 على الرغم من أن هذا النظام يهدف إلى تنظيم العمالة، إلا أنه يُستغل من قبل بعض العاملات كوسيلة للقدوم إلى لبنان بنية مسبقة للهروب والانخراط في أنشطة غير مشروعة.3

تتضمن عملية الاستقدام تكاليف مالية باهظة يتحملها الكفيل، تشمل رسوم وزارة العمل (2,000,000 ليرة لبنانية للموافقة المسبقة و 6,000,000 ليرة لبنانية لتصريح العمل)، ووديعة إلزامية في مصرف الإسكان، ورسوم إقامة لدى الأمن العام (13,000,000 ليرة لبنانية لعاملات المنازل)، بالإضافة إلى رسوم كاتب العدل والتأمين والفحوصات الطبية.5 هذه التكاليف، التي قد تصل إلى ما يعادل 2000 دولار أمريكي أو أكثر 10، تمثل استثمارًا كبيرًا من قبل الكفيل 5، والذي يتعرض للخسارة المباشرة في حال هروب العاملة.5 إن مجرد هروب العاملة من الكفيل الذي يتكلف هذه المبالغ الكبيرة هو تبديد غير مشروع لهذه الأموال، ويجب أن يُعتبر فعلًا جنائيًا بطبيعته.3

الفصل الثاني: الهروب المخطط له: الكسب السريع عبر الدعارة

تشير التقارير إلى أن بعض حالات هروب عاملات المنازل ليست مجرد رد فعل على ظروف عمل سيئة، بل هي “هروب مخطط له” يتم الإعداد له مسبقًا قبل دخول العاملة إلى لبنان.3 قد تعمل العاملة لدى كفيلها الأولي لفترة قصيرة، غالبًا ما تكون ثلاثة أشهر (وهي فترة مسؤولية وكالة التوظيف)، ثم تعمد إلى الهروب للانخراط في أعمال الدعارة أو أنشطة غير مشروعة أخرى.3 هذا السلوك يعكس استغلالًا متعمدًا لنظام الكفالة كبوابة للقدوم إلى البلاد، بهدف تحقيق كسب مادي سريع وكبير، حتى لو كان ذلك عبر أعمال منافية للأخلاق.4

تستغل العصابات الإجرامية وتجار البشر يأس بعض العاملات، ولكنها تستغل أيضًا طمع أخريات، حيث تقدم لهن حلولًا تبدو مربحة، مثل المأوى المؤقت ومصدر دخل، فقط لاحتجازهن واستغلالهن في الدعارة القسرية أو أشكال أخرى من العمل القسري. كما أن غالبية النساء اللواتي يعملن في الدعارة في لبنان يأتين من خلال الهجرة من دول عربية أخرى، ويدخلن البلاد للعمل في النوادي الليلية الكبيرة، مما يشير إلى وجود طلب على هذا النوع من الأنشطة.6

إن صناعة الدعارة في لبنان، وخاصة “الدعارة السرية”، تشهد نموًا ملحوظًا 11، وتُعرف عالميًا بأنها مربحة للغاية، حيث تحتل المرتبة الثالثة بين أكثر الجرائم ربحًا بعد تجارة المخدرات والأسلحة.11 هذا يوفر حافزًا اقتصاديًا قويًا لبعض العاملات للبحث عن هذا المسار لتحقيق مكاسب مالية سريعة وكبيرة.4

الفصل الثالث: الكفيل المتضرر: أعباء مادية وقانونية

عندما تفر عاملة منزلية، يتكبد الكفلاء خسارة مالية مباشرة للاستثمارات الأولية التي دفعوها لاستقدامها.3 هذه الخسارة تتفاقم بسبب طمع بعض العاملات اللواتي يستغللن نظام الكفالة للقدوم إلى لبنان بنية مسبقة للهروب والعمل في أنشطة غير مشروعة.3 علاوة على ذلك، غالبًا ما لا يتمكن الكفلاء من استرداد الكفالة المصرفية التي أودعوها إلا بعد مغادرة العاملة للبلاد رسميًا أو ترحيلها، وهي عملية قد تكون طويلة وغير مؤكدة.5 لقد جعلت الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان هذه التكاليف باهظة بالنسبة للعديد من العائلات، مما أدى إلى تحول ملحوظ نحو البحث عن عاملات مياومة كبديل أكثر تكلفة.12

للتخفيف من مسؤوليتهم القانونية عند ترك عامل أجنبي لعمله، يمكن لأرباب العمل تقديم شكوى “ترك مكان العمل” لدى المراكز الإقليمية للمديرية العامة للأمن العام.5 هذه الإجراءات أصبحت إدارية، مما يعني أنها لا تؤدي تلقائيًا إلى تحقيق جنائي ما لم يتم الادعاء بجرم جزائي محدد (مثل السرقة، كسر وخلع، ضرب وإيذاء).5 في أغلب الأحيان، عندما تغادر الفتاة المنزل، يضطر الكفيل إلى تقديم شكوى سرقة ضدها، حتى لو لم تكن هناك سرقة فعلية، وذلك لتأمين جدية الملاحقة القانونية.12 هذا الإجراء يصبح ضروريًا لأن مجرد هروب العاملة وتبديدها للأموال التي تكبدها الكفيل لاستقدامها (والتي تصل إلى 2000 دولار أو أكثر) لا يُصنف بشكل مباشر كفعل جنائي يستدعي الملاحقة الجدية في القانون اللبناني الحالي.10

أحد العوامل المساهمة الهامة في استمرار هذه الأزمة هو النقص الملحوظ في العقوبات الصارمة أو التنفيذ الفعال ضد الأفراد أو الكيانات التي توظف عاملات غير موثقات أو “هاربات”.12 فحتى لو تم القبض عليهم وتغريمهم، فإن الغرامة المالية لتوظيف عاملة بشكل غير قانوني غالبًا ما تكون أقل بكثير من التكاليف والعقبات البيروقراطية المرتبطة بالاستقدام القانوني لعاملة منزلية جديدة.12 هذا الحافز الاقتصادي يؤدي عن غير قصد إلى استمرار دورة التوظيف غير القانوني والاستغلال.12

الجدول 1: التكاليف التقديرية لاستقدام عاملة منزلية في لبنان (2021)

البندالتكلفة التقديرية (ليرة لبنانية)المصدر
رسوم وزارة العمل (موافقة مسبقة)2,000,0001
رسوم وزارة العمل (إجازة عمل)6,000,0001
رسوم إقامة لدى الأمن العام13,000,0001
شهادة إيداع مصرف الإسكان(غير محدد)1
رسوم تسجيل لدى كاتب العدل (تعهد، عقد عمل)(غير محدد)1
عقد تأمين(غير محدد)1
فحوصات مخبرية(غير محدد)1

ملاحظة: هذه الأرقام تعود لعام 2021، وقد تكون التكاليف الحالية أعلى بسبب التضخم وتغيرات سعر الصرف.12

الفصل الرابع: القانون اللبناني: بين التجريم وتقاعس التطبيق

يتناول القانون اللبناني قضية الدعارة بموجب قانون قديم صدر عام 1931، والذي يحدد شروطًا صارمة لـ”بيوت الدعارة العمومية” المرخصة، بينما تُحظر “الدعارة السرية” تمامًا وتخضع لعقوبات جنائية.13 الأهم من ذلك، أن إجبار شخص أو إكراهه على ممارسة الدعارة يصنف صراحة كجريمة اتجار بالبشر بموجب القانون اللبناني رقم 164/2011 13، والذي ينص على عقوبات صارمة تتراوح بين 5 و 15 سنة سجنًا، بالإضافة إلى غرامات مالية كبيرة.14

الجدول 2: أبرز مواد قانون مكافحة الاتجار بالبشر (القانون 164/2011) وعقوباتها

المادة/البندالوصفالعقوبة الأساسيةالظروف المشددة (عقوبات أشد)
المادة 586/1تعريف جريمة الاتجار بالأشخاص (الفعل، الوسيلة، الهدف، صور الاستغلال: الدعارة، الاستغلال الجنسي، السخرة، الاسترقاق، نزع الأعضاء).14––
المادة 586/2العقوبة الأساسية للجريمة.14الحبس 5 سنوات وغرامة (مقابل مال)؛ الحبس 7 سنوات وغرامة (باستعمال الخداع أو العنف).14–
المادة 586/3إذا كان الفاعل موظفًا عامًا، أو ذا سلطة على الضحية (أصول، أفراد عائلة، مدير مكتب استخدام).14الحبس 10 سنوات وغرامة.14–
المادة 586/4إذا ارتكبت الجريمة من قبل جماعة منظمة (شخصين أو أكثر)، أو تناولت أكثر من مجني عليه.14الحبس 15 سنة وغرامة.14–
المادة 586/5إذا ترتب على الجرم أذى خطير أو وفاة للضحية، أو إذا كانت الضحية في حالة استضعاف خاصة (حامل، معوقة)، أو دون 18 عامًا.14الحبس 10-12 سنة وغرامة.14–
المادة 586/6إعفاء من العقوبة لمن يبلغ السلطات قبل وقوع الجريمة أو يسهم في القبض على الجناة (إذا لم يكن مرتكبًا).14إعفاء كامل.14–
المادة 586/7أعذار مخففة لمن يزود السلطات بمعلومات تمنع استمرار الجريمة بعد وقوعها.14تخفيف العقوبة.14–
المادة 586/8إعفاء الضحية من العقاب إذا ثبت إكراهها على ارتكاب أفعال معاقب عليها أو مخالفة شروط الإقامة/العمل.14إعفاء كامل.14–
المادة 586/9إمكانية إبرام اتفاقات مع مؤسسات متخصصة لتقديم المساعدة والحماية للضحايا.14––
المادة 586/10إنشاء حساب خاص في وزارة الشؤون الاجتماعية لمساعدة الضحايا من الأموال المصادرة من الجريمة.14––
المادة 370/2 (أصول محاكمات جزائية)حماية الشهود: إمكانية الاستماع إلى الشهود دون الكشف عن هويتهم في ظروف معينة.14––

المصدر: 14

على الرغم من وجود هذا الإطار القانوني، فقد تم تخفيض تصنيف جهود لبنان الشاملة في مكافحة الاتجار بالبشر إلى “قائمة المراقبة من المستوى الثاني” في تقرير الاتجار بالأشخاص لعام 2023 الصادر عن الولايات المتحدة.2 يشير هذا التخفيض إلى أن الحكومة اللبنانية لا تفي بالحد الأدنى من المعايير للقضاء على الاتجار بالبشر، ولم تظهر جهودًا متزايدة.15 كما أن الأزمة الاقتصادية الحادة قد أعاقت قدرة الأجهزة الأمنية بشكل كبير على مكافحة الجريمة المنظمة بفعالية، بما في ذلك الاتجار بالبشر، بسبب النقص الحاد في الموارد والتكنولوجيا الحديثة والموظفين المدربين.7 هذا التقاعس في التطبيق الفعال للقوانين يسمح باستمرار استغلال الكفلاء وتفشي ظاهرة الهروب للعمل في الدعارة.12

خاتمة: نحو حماية الكفيل ومكافحة الاستغلال

إن ظاهرة استغلال بعض العاملات المنزليات لنظام الكفالة في لبنان، وهروبهن للعمل في الدعارة بهدف الكسب السريع، هي مشكلة معقدة تتطلب استجابة حازمة من الدولة.3 إن الخسائر المادية والمعنوية التي يتكبدها الكفلاء اللبنانيون تستدعي معالجة فورية وفعالة.5

لتحقيق ذلك، لا بد من إصلاحات شاملة وعاجلة:

  • تعديل نظام الكفالة: يجب إعادة النظر في نظام الكفالة لضمان عدم استغلاله كبوابة للأنشطة غير المشروعة.3 يمكن أن يشمل ذلك آليات أكثر صرامة للتحقق من نوايا العاملات قبل القدوم، وتحديد مسؤوليات أوضح لوكالات الاستقدام في حال الهروب المخطط له.12
  • تعزيز الإنفاذ القانوني: يجب على الأجهزة الأمنية والقضائية تكثيف جهودها في ملاحقة وإدانة شبكات الاتجار بالبشر والقوادين الذين يستغلون العاملات 7، وكذلك العاملات اللواتي يثبت تورطهن في الهروب للعمل في الدعارة.3 يجب فرض عقوبات رادعة على من يوظف عاملات غير موثقات بشكل غير قانوني لكسر هذه الدورة.12 والأهم، يجب أن يُصنف هروب العاملة وتبديدها للأموال التي تكبدها الكفيل لاستقدامها كفعل جنائي واضح، لضمان جدية الملاحقة دون الحاجة لادعاءات كاذبة بالسرقة.12
  • مكافحة الاستغلال الرقمي: يتطلب ذلك استثمارًا في التكنولوجيا المتقدمة والتدريب المتخصص لوكالات إنفاذ القانون لتتبع وتحديد وتفكيك شبكات الاتجار القائمة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل بتطور متزايد.8
  • حماية الكفيل: يجب وضع آليات تضمن تعويض الكفلاء عن الخسائر المادية التي يتكبدونها جراء هروب العاملات 5، وتبسيط إجراءات رفع المسؤولية القانونية عنهم.5

إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاونًا وثيقًا بين جميع الأطراف المعنية، لضمان حماية المواطن اللبناني من الاستغلال، ومكافحة الأنشطة غير الأخلاقية التي تضر بالمجتمع.

المراجع:

  1. رسوم إستقدام عامل في الخدمة المنزلية – Lebanese General Security – posts, accessed June 4, 2025, https://www.general-security.gov.lb/ar/posts/168
  2. العاملات المنزليات الوافدات في لبنان – ويكيبيديا, accessed June 4, 2025, https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B2%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%AF%D8%A7%D8%AA_%D9%81%D9%8A_%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86
  3. نظام الكفالة التعسفي في لبنان – Human Rights Watch, accessed June 4, 2025, https://www.hrw.org/ar/news/2022/01/03/380894
  4. تطلق وزارة العمل اللبنانية حملة توعية حول مؤشرات الاتجار بالبشر, accessed June 4, 2025, https://www.labor.gov.lb/LatestNewsDetails.aspx?lang=ar&newsid=16357
  5. شكوى ترك مكان العمل للعمال الأجانب – Lebanese General Security – posts, accessed June 4, 2025, https://www.general-security.gov.lb/ar/posts/324
  6. الدعارة في لبنان – ويكيبيديا, accessed June 4, 2025, https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86
  7. لبنان: عصابة «تيكتوكرز» تفضح الاستغلال الإجرامي لوسائل التواصل الاجتماعي, accessed June 4, 2025, https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/4997366-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%B2-%D8%AA%D9%81%D8%B6%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84
  8. نقابة مكاتب استقدام العاملات في لبنان – Soral LB, accessed June 4, 2025, https://sorallb.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/
  9. الاتجار بالبشر وسبل مكافحته .. قراءة في الاستراتيجيات والاتفاقيات الدولية, accessed June 4, 2025, https://acrseg.org/41360
  10. أزمات لبنان تفاقم معاناة عاملات المنازل المهاجرات في لبنان | أخبار الأمم …, accessed June 4, 2025, https://news.un.org/ar/story/2021/10/1085912
  11. وحدها الدعارة السريّة الى نموّ في لبنان! – MTV Lebanon, accessed June 4, 2025, https://www.mtv.com.lb/news/articles/368308/%D9%88%D8%AD%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%85%D9%88%D9%91-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86!
  12. لبنان يدفع غالياً ثمن نظام الكفالة: مجتمع موبوء على عين الدولة, accessed June 4, 2025, https://euromedmonitor.org/index.php/ar/article/6028/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%BA%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D8%AB%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%81%D8%A7%D9%84%D8%A9:-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D9%85%D9%88%D8%A8%D9%88%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9
  13. البغاء والدعارة في القانون اللبناني | الموقع الرسمي للجيش اللبناني, accessed June 4, 2025, https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%BA%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A
  14. www.arabruleoflaw.org, accessed June 4, 2025, https://www.arabruleoflaw.org/Files/HT-ManualTrafficking.pdf
  15. تقرير الاتجار بالبشر 2023: تخفيض تصنيف لبنان إلى قائمة …, accessed June 4, 2025, https://nhrclb.org/archives/1887