غزة تقاوم الجوع، والعرب يقاومون الحرج.

بقلم د. وشاح فرج:
في هذه الأيام الحالكة، لا نحتاج إلى صور لنبكي، ولا إلى أخبار لنغضب. ما يجري في غزة لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى ضمير. إلى قلب لا يزال ينبض بشيء من الإنسانية. إلى روح لم تغرق بعد في وحل التطبيع.
نقف أمام مشهد يتجاوز قدرة اللغة على الوصف: طفل لا يقوى على الوقوف من شدة الجوع، حشود من الجائعين، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، يتهافتون وهم يحملون أطباقاً وعلباً فارغة، يركضون نحو مكان توزيع الطعام وكأنهم يركضون نحو الحياة ذاتها. ومنهم من لا يصل، يسقط قبل أن يبلغ المكان المقصود، يودع الدنيا جوعاً في زمن الفائض الغذائي. فهل بقي بعد هذه الصورة معنى للعروبة؟ هل بقي في قواميسنا ما يمكن أن نكتبه ولا نشعر بالخزي؟
أي جرح هذا الذي يذل الإنسان إلى هذا الحد؟ وأي خزي نعيشه نحن حين نرى المشهد، فنقلب الصفحة أو نمر عليه كأنه خبر عابر في نشرة مسائية؟
غزة هاشم، التي قاومت بالحجر، والتي صمدت تحت الحصار، والتي أنجبت رجالاً لا يساومون، تجوع اليوم، لا لشيء سوى لأنها قالت: لا. لأنها ما زالت تمسك بمفتاح بيتها، وترفض أن توقع على وثيقة النسيان.
ما يجري ليس عابراً. إنها وصمة عار سوداء في جبين أمة اعتادت أن تزايد على فلسطين في خطبها، وتخذلها في أفعالها. أصبح التمسك بالكرسي أغلى من التمسك بالقضية، وأصبحت بعض العواصم ترى في الصمت سياسة، وفي التطبيع شطارة، وفي المقاومة عبئاً يجب التخلص منه.
لكن، هل يعقل أن يجوع شعب بكامله في القرن الحادي والعشرين؟ كيف تصل المجاعة إلى أهل الأرض المباركة في زمن الأقمار الصناعية، والاتصالات العابرة للقارات، ومليارات الدولارات التي تهدر على كماليات الترف العربي؟
الجواب واضح، ومخجل: لأن العالم بكل حضارته المزعومة، يرضى بذلك، أو على الأقل يصمت عنه. ولأن الأنظمة التي كانت يجب أن تدافع، اختارت أن تدير ظهرها، وتكتفي بالعبارات الجاهزة.
نحن اليوم أمام مفارقة مروعة: الإنسان الفلسطيني يعاقب لأنه بقي إنساناً. لأنه رفض أن يتحول إلى رقم في معادلة الإذلال، أو إلى لاجئ بلا هوية، أو إلى تابع يصفق للمحتل ويطلب منه اللقمة بثمن الصمت.
لكن، وسط هذا السواد، تبقى شعلة. تبقى تلك القلة التي ما زالت تؤمن أن فلسطين ليست خريطة على جدار، بل اختبار يومي لكرامتنا جميعاً. تلك الأصوات التي، رغم القهر، تحاول أن تزرع زيتونة، أو ترسل شحنة دواء، أو تكتب كلمة مقاومة.
فلسطين اليوم، وغزة بشكل خاص، لا تطلب منا معجزة، بل ألا نخون. ألا نكذب عليها بالبيانات والاحتفالات، ثم نشارك في خنقها بقرارات صامتة أو أبواب مغلقة.
وإن كانت المجاعة قد وصلت، فاعلموا أننا لم نصل إليها صدفة. لقد مشينا نحوها بصمتنا، بخوفنا، بانشغالنا بالقشور. ومهما حاولنا أن نغسل أيدينا من هذا الدم، فلن تنسى غزة من تركها وحيدة وهي تتلوى من الجوع.
إن الجائع الذي لا يستطيع المشي إلا إن أطعمناه، هو مرآتنا. مرآة سقوطنا الجماعي، وانكشاف نفاقنا، وانهيار ما تبقى من أوهامنا القومية

د. وشاح فرج