الفَسَادُ مِنَ الشَّعْبِ فِي لُبْنَانَ: قَبْلَ أَنْ نُحَاسِبَ الحُكُومَةَ، هَلْ نُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا؟

لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَنْظُرَ الشَّعْبُ فِي مِرْآةِ ذَاتِهِ. فَفِي الأَزْمَاتِ، نَمِيلُ إِلَى بَسْطِ التُّهْمَةِ عَلَى “الآخَرِ”، خَاصَّةً إِذَا كَانَ هَذَا الآخَرُ هُوَ السُّلْطَةُ، أَوْ مَنْ يَتَحَكَّمُ بِمَصِيرِ النَّاسِ وَمَوَارِدِهِمْ. وَفِي الحَالَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ، حَيْثُ يَتَدَاوَلُ المُوَاطِنُونَ كَلِمَاتٍ كَـ”السَّرِقَةِ” وَ”الفَسَادِ” وَ”المُحَاصَصَةِ” بِسُهُولَةٍ، يُصْبِحُ مِنَ البَدَاهَةِ أَنْ تُلْقَى كُلُّ المَسْؤُولِيَّةِ عَلَى الحُكُومَةِ وَالنُّخَبِ السِّيَاسِيَّةِ. وَلَكِنَّ التَّحَوُّلَ الجُرْأَةِ حَقِيقَةً يَبْدَأُ عِنْدَمَا نَسْأَلُ: مَا دَوْرُنَا نَحْنُ فِي كُلِّ مَا جَرَى وَيَجْرِي؟ هَلْ نَحْنُ بَرِيئُونَ مِنَ الفَسَادِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟

فِي خِضَمِّ الأَزْمَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ المُسْتَعْصِيَةِ، تَتَّجِهُ أَصَابِعُ الاِتِّهَامِ دَوْمًا نَحْوَ الحُكُومَةِ وَالسُّلْطَةِ، وَيُرَكِّزُ الشَّعْبُ غَضَبَهُ عَلَى المَسْؤُولِينَ، مُتَّهِمًا إِيَّاهُمْ بِالنَّهْبِ وَالفَسَادِ وَالإِخْفَاقِ. وَلَكِنْ، بَيْنَ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِنَ الغَضَبِ وَالنَّقْمَةِ، يَبْدُو أَنَّ السُّؤَالَ الأَخْطَرَ وَالأَشْجَعَ هُوَ: هَلْ نَحْنُ نُؤَدِّي وَاجِبَاتِنَا كَمُواطِنِينَ، قَبْلَ أَنْ نُطَالِبَ الحُكُومَةَ بِوَاجِبَاتِهَا؟

فَالفَسَادُ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى السِّيَاسَةِ وَالدَّوْلَةِ، بَلْ يَتَسَلَّلُ إِلَى التَّفَاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ: رَشْوَةٌ صَغِيرَةٌ، تَزْوِيرُ مَعَامَلَةٍ، رَمْيُ نُفَايَاتٍ فِي الشَّارِعِ، تَجَاوُزُ إِشَارَةِ سَيْرٍ، اِسْتِخْدَامُ الوَاسِطَةِ، أَوِ التَّهَرُّبُ مِنَ الضَّرَائِبِ. وَكُلُّهَا تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ ثَقَافَةٍ فَاسِدَةٍ تُطَبِّعُ مَعَ الخَطَأِ، وَتُجَمِّلُ القَبِيحَ، وَتُغَذِّي التَّفَلُّتَ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ. فَكَيْفَ نُرِيدُ بِنَاءَ دَوْلَةٍ عَادِلَةٍ، وَنَحْنُ نَكْسِرُ قَوَاعِدَ العَدَالَةِ فِي سُلُوكِنَا اليَوْمِيِّ؟ فِي ظِلِّ هَذِهِ البِيئَةِ، تَصِيرُ العَلَاقَةُ مَعَ القَانُونِ نَفْعِيَّةً: نُرِيدُهُ عِنْدَمَا يُفِيدُنَا، وَنَتَجَاوَزُهُ عِنْدَمَا يُقَيِّدُنَا. وَهُنَا يَكْمُنُ الجَذْرُ العَمِيقُ لِلمُشْكِلَةِ: نَحْنُ نُطَالِبُ بِالحُقُوقِ، وَلَكِنْ نَتَسَاهَلُ فِي الوَاجِبَاتِ، فَنُفْقِدُ التَّوَازُنَ الأَسَاسِيَّ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ أَيَّةُ دَوْلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.

وَإِذَا كُنَّا نُحَمِّلُ السِّيَاسِيِّينَ وَالحُكُومَاتِ وِزْرَ الفَسَادِ، فَيَجِبُ أَنْ نَعْتَرِفَ أَيْضًا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُمَثِّلُ الطَّوَائِفَ وَالأَحْزَابَ فِي لُبْنَانَ قَدْ شَارَكَ فِي الحُكُومَاتِ مُنْذُ اغْتِيَالِ رَفِيقِ الحَرِيرِي فِي شُبَاطَ 2005 وَحَتَّى اليَوْمِ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُطَالِبُ بِـ “حِصَّتِهِ” فِي الوِزَارَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، وَيُقَدِّمُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ “إِرْثِ أَبِيهِ”، وَلَيْسَ كَخَادِمٍ لِلصَّالِحِ العَامِّ. وَفِي ظِلِّ غِيَابِ المُرَاقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ، صَارَ كُلُّ حِزْبٍ يُسَطِّرُ بِقَلَمِهِ مَا يَسْعَى لِجَنْيِهِ، وَيَتَنَافَسُونَ عَلَى المَكَاسِبِ، نَاسِينَ فِكْرَةَ “الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ”. وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ الدَّوْلَةَ تُكْثِرُ مِنَ القَوَانِينِ وَالقَرَارَاتِ، لَكِنَّهَا لَا تُطَبِّقُهَا عَلَى أَحَدٍ، وَلَا تُحَاسِبُ مَنْ يُخَالِفُهَا، فَتُسَاهِمُ بِذَلِكَ فِي اِسْتِسْهَالِ الفَوْضَى وَتَبْرِيرِهَا بِـ “ضَعْفِ بِنْيَةِ الدَّوْلَةِ”! وَهَكَذَا يُصْبِحُ كُلُّ خَلَلٍ مَقْبُولًا، وَكُلُّ خُرُوقٍ مُبَرَّرًا، وَكُلُّ جِنَايَةٍ دُونَ عِقَابٍ. وَفِي هَذِهِ البِيئَةِ، تَسْقُطُ أَسُسُ الوَطَنِ وَتَسُودُ “الغَابِيَّةُ” السِّيَاسِيَّةُ وَالاِجْتِمَاعِيَّةُ.

فَلْنَكُنْ صَادِقِينَ: مَا لَمْ نُصْلِحْ أَنْفُسَنَا، لَنْ نُصْلِحَ الدَّوْلَةَ. وَمَا لَمْ نُرَبِّي أَجْيَالًا تُقَدِّسُ الأَمَانَةَ وَالقَانُونَ، فَسَتَبْقَى الوَطَنِيَّةُ شِعَارًا فَارِغًا، وَسَيَبْقَى الفَسَادُ ثَقَافَةً مُتَجَذِّرَةً فِي العُقُولِ وَالسُّلُوكِ. إِنَّ الإِصْلَاحَ الحَقِيقِيَّ لا يَبْدَأُ بِتَغْيِيرِ الوُجُوهِ، بَلْ بِتَغْيِيرِ النُّفُوسِ، وَبِزَرْعِ قِيمِ المُوَاطَنَةِ الصَّادِقَةِ، وَبِنَاءِ وَعْيٍ جَمَاعِيٍّ يُرَاقِبُ، وَيُصَحِّحُ، وَيُحَاسِبُ. فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا الدَّائِمُ:
“نُحَاسِبُ الحُكُومَةَ، نَعَمْ… وَلَكِنْ نَبْدَأُ بِأَنْفُسِنَا أَوَّلًا.”