إِعْدَادُ الْمُعَلِّمِ فِي زَمَنِ الْفَوْضَى: يحْتَاجُ إلى ثَوْرَةً أَخْلَاقِيَّةً فِي الْمَنَاهِجِ!

فِي ظِلِّ التَّحَوُّلَاتِ الْمُتَسَارِعَةِ الَّتِي يَشْهَدُهَا الْعَالَمُ فِي الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، لَمْ يَعُدْ إِعْدَادُ الْمُعَلِّمِ مُقْتَصِرًا عَلَى تَزْوِيدِهِ بِالْمَعَارِفِ وَالْمَهَارَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَ يَتَطَلَّبُ بِنَاءَ شَخْصِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى حَمْلِ رِسَالَةِ التَّرْبِيَةِ بِأَبْعَادِهَا الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ الْوَاقِعَ التَّرْبَوِيَّ الْمُعَاشَ يَكْشِفُ عَنْ فَجْوَةٍ مُقْلِقَةٍ فِي هَذَا الْمَجَالِ، حَيْثُ تَتَرَاجَعُ مَنْظُومَةُ الْقِيَمِ الْمِهْنِيَّةِ لَدَى بَعْضِ طَلَبَةِ الْإِجَازَةِ فِي الْعُلُومِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ الْمُخْتَصَّةِ، الْأَمْرُ الَّذِي يَفْرِضُ ضَرُورَةَ إِعَادَةِ النَّظَرِ بِعُمْقٍ فِي مُكَوِّنَاتِ هَذِهِ الْبَرَامِجِ وَأَهْدَافِهَا.

مِنْ خِلَالِ الْمُلَاحَظَةِ الْمَيْدَانِيَّةِ الْيَوْمِيَّةِ، يَظْهَرُ بِوُضُوحٍ أَنَّ مُسْتَوَى الِالْتِزَامِ الْأَخْلَاقِيِّ لَدَى عَدَدٍ مِنَ الطُّلَّابِ يَتَرَاجَعُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، إِذْ يُلَاحَظُ ضَعْفٌ مَلْحُوظٌ فِي أَسَالِيبِ التَّوَاصُلِ مَعَ الْأَسَاتِذَةِ وَالْمُشْرِفِينَ، وَغِيَابٌ لِحُدُودِ اللِّيَاقَةِ وَالِاحْتِرَامِ، حَتَّى بَاتَ الْخِطَابُ التَّرْبَوِيُّ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ يُخْتَزَلُ بِلُغَةِ الدَّرْدَشَةِ الْيَوْمِيَّةِ، الْخَالِيَةِ مِنَ الرَّسْمِيَّةِ وَالْوَقَارِ، وَكَأَنَّ الْعَلَاقَةَ التَّرْبَوِيَّةَ فَقَدَتْ إِطَارَهَا الْمِهْنِيَّ. لَمْ يَعُدِ الطَّالِبُ يُمَيِّزُ أَحْيَانًا بَيْنَ عِلَاقَةِ الصَّدَاقَةِ وَعِلَاقَةِ التَّعَلُّمِ، فَتُرْسَلُ الرَّسَائِلُ بِأُسْلُوبٍ عَفَوِيٍّ مُفْرِطٍ، دُونَ مُرَاعَاةٍ لِمَكَانَةِ الْأُسْتَاذِ أَوْ لِهَيْبَةِ الْمُؤَسَّسَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَدُونَ اعْتِذَارٍ أَوْ تَقْدِيرٍ لِلْوَقْتِ وَالْجُهْدِ، وَكَأَنَّ الْأُسْتَاذَ أَصْبَحَ «عَامِلًا بِالسَّاعَةِ» لَا حَامِلَ رِسَالَةٍ. هَذَا التَّحَوُّلُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مُجَرَّدَ تَفْصِيلٍ سُلُوكِيٍّ بَسِيطٍ، بَلْ هُوَ مُؤَشِّرٌ عَمِيقٌ عَلَى خَلَلٍ فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّةِ الْمُعَلِّمِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.

هَذَا الْوَاقِعُ يَطْرَحُ إِشْكَالِيَّةً جَوْهَرِيَّةً: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَأْتَمِنَ مُعَلِّمًا عَلَى عَرْشِ التَّرْبِيَةِ، وَهُوَ لَمْ يَكْتَسِبْ بَعْدُ أَبْجَدِيَّاتِ الِاحْتِرَامِ الْمِهْنِيِّ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِمَنْ يُفْتَرَضُ بِهِ أَنْ يَنْقُلَ الْقِيَمَ أَنْ يَفْتَقِدَهَا فِي مُمَارَسَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ؟ إِنَّ الْمُعَلِّمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَاقِلِ مَعْرِفَةٍ، بَلْ هُوَ نَمُوذَجٌ حَيٌّ يُحْتَذَى بِهِ، وَأَيُّ خَلَلٍ فِي بِنْيَتِهِ الْقِيَمِيَّةِ سَيَنْعَكِسُ مُبَاشَرَةً عَلَى الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ.

يُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا التَّرَاجُعِ مِنْ خِلَالِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْعَوَامِلِ الْمُتَدَاخِلَةِ، أَوَّلُهَا الظُّرُوفُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ الضَّاغِطَةُ الَّتِي يَعِيشُهَا الْمُجْتَمَعُ، مِنْ حُرُوبٍ وَأَزَمَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ، وَالَّتِي أَدَّتْ إِلَى تَآكُلِ بَعْضِ الْقِيَمِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَإِضْعَافِ الْإِحْسَاسِ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالِانْضِبَاطِ. كَمَا تَلْعَبُ التَّنْشِئَةُ الْأُسَرِيَّةُ دَوْرًا أَسَاسِيًّا، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الْأُسْرَةُ دَائِمًا قَادِرَةً أَوْ حَاضِرَةً لِغَرْسِ الْقِيَمِ الْأَسَاسِيَّةِ، إِمَّا بِسَبَبِ الضُّغُوطِ أَوْ بِسَبَبِ التَّحَوُّلَاتِ الثَّقَافِيَّةِ. إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ، لَا يُمْكِنُ إِغْفَالُ تَأْثِيرِ الثَّقَافَةِ الرَّقْمِيَّةِ الَّتِي سَاهَمَتْ فِي كَسْرِ الْحَوَاجِزِ الرَّسْمِيَّةِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، وَأَضْعَفَتْ مَهَارَاتِ التَّوَاصُلِ الْمِهْنِيِّ، فَاخْتَلَطَتْ لُغَةُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ، وَأَصْبَحَ الْجَمِيعُ يَتَخَاطَبُ وَكَأَنَّهُمْ فِي مُسْتَوًى وَاحِدٍ دُونَ مُرَاعَاةٍ لِلْفُرُوقِ السِّيَاقِيَّةِ وَالْمِهْنِيَّةِ. كَمَا أَنَّ غِيَابَ أَوْ ضَعْفَ مُقَرَّرَاتِ أَخْلَاقِيَّاتِ الْمِهْنَةِ فِي بَرَامِجِ إِعْدَادِ الْمُعَلِّمِينَ، أَوْ تَقْدِيمَهَا بِشَكْلٍ نَظَرِيٍّ جَامِدٍ بَعِيدٍ عَنِ التَّطْبِيقِ، جَعَلَهَا غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى إِحْدَاثِ أَثَرٍ حَقِيقِيٍّ فِي سُلُوكِ الطَّلَبَةِ.

مِنْ هُنَا، تُصْبِحُ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي مَنَاهِجِ الْإِجَازَةِ فِي الْعُلُومِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ الْمُخْتَصَّةِ ضَرُورَةً مُلِحَّةً لَا تَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ. فَالْمَطْلُوبُ لَيْسَ فَقَطْ إِضَافَةُ مَادَّةِ أَخْلَاقِيَّاتِ الْمِهْنَةِ، بَلْ إِعَادَةُ بِنَائِهَا بِشَكْلٍ تَفَاعُلِيٍّ تَطْبِيقِيٍّ يَرْبِطُ بَيْنَ النَّظَرِيَّةِ وَالْمُمَارَسَةِ، وَيَجْعَلُ الطَّالِبَ يَعِيشُ الْقِيَمَ لَا يَحْفَظُهَا فَقَطْ. كَمَا يَنْبَغِي إِدْمَاجُ مَهَارَاتِ التَّوَاصُلِ الْمِهْنِيِّ بِشَكْلٍ صَرِيحٍ ضِمْنَ الْبَرَامِجِ، بِمَا يَشْمَلُ آدَابَ الْحَدِيثِ الْعِلْمِيِّ مَعَ الْآخَرِ، وَفَنَّ إِدَارَةِ الْحِوَارِ، وَأُصُولَ كِتَابَةِ الرَّسَائِلِ الرَّسْمِيَّةِ، وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ السِّيَاقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلتَّوَاصُلِ. كَذَلِكَ، مِنَ الضَّرُورِيِّ رَبْطُ الْقِيَمِ بِالْمُمَارَسَةِ الْمَيْدَانِيَّةِ مِنْ خِلَالِ تَدْرِيبٍ مُوَجَّهٍ، يُقَيَّمُ فِيهِ الطَّالِبُ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى كَفَاءَتِهِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، بَلْ أَيْضًا عَلَى سُلُوكِهِ الْمِهْنِيِّ وَأَخْلَاقِيَّاتِهِ فِي التَّعَامُلِ. وَلَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ ذَلِكَ إِعَادَةُ الِاعْتِبَارِ لِصُورَةِ الْمُعَلِّمِ فِي وَعْيِ الطَّالِبِ، بِوَصْفِهِ قُدْوَةً وَرِسَالَةً، لَا مُجَرَّدَ وَظِيفَةٍ.

إِنَّ مُعَلِّمَ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ لِلْمَعْرِفَةِ، بَلْ أَصْبَحَ قَائِدًا تَرْبَوِيًّا وَصَانِعَ وَعْيٍ، يَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةَ بِنَاءِ الْإِنْسَانِ فِي زَمَنٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ التَّغَيُّرَاتُ وَتَضْطَرِبُ فِيهِ الْقِيَمُ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ إِعْدَادَهُ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ عَلَى تَحْقِيقِ تَوَازُنٍ بَيْنَ الْكَفَاءَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَالنُّضْجِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَأَنْ يَمْتَلِكَ الْقُدْرَةَ عَلَى إِدَارَةِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِاحْتِرَامٍ وَوَعْيٍ، وَأَنْ يُدْرِكَ عُمْقَ دَوْرِهِ التَّرْبَوِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ الْفَوْضَى الْقِيَمِيَّةِ الَّتِي يَشْهَدُهَا الْعَالَمُ.

إِنَّ مَا نَلْحَظُهُ مِنْ تَرَاجُعٍ فِي الْأَخْلَاقِيَّاتِ الْمِهْنِيَّةِ لَدَى بَعْضِ طَلَبَةِ التَّرْبِيَةِ لَا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهُ فِي كَوْنِهِ سُلُوكًا فَرْدِيًّا عَابِرًا، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِخَلَلٍ بِنْيَوِيٍّ فِي مَنْظُومَةِ الْإِعْدَادِ التَّرْبَوِيِّ، وَفِي السِّيَاقِ الِاجْتِمَاعِيِّ الْأَوْسَعِ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مَسْؤُولِيَّةَ الْمُؤَسَّسَاتِ الْجَامِعِيَّةِ الْيَوْمَ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ تَخْرِيجِ مُعَلِّمِينَ أَكْفَاءَ مَعْرِفِيًّا، لِتَشْمَلَ بِنَاءَ شَخْصِيَّاتٍ تَرْبَوِيَّةٍ مُتَّزِنَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الْقِيَمِ دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ. فَالْمُعَلِّمُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ الْقِيَمَ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْنَعَهَا، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الْوَقَارَ فِي تَعَلُّمِهِ، لَنْ يَزْرَعَهُ فِي تَعْلِيمِ غَيْرِهِ. وَيَبْقَى السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: هَلْ مَا نَعِيشُهُ الْيَوْمَ هُوَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِلْحُرُوبِ وَالْأَزَمَاتِ، أَمْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِخَلَلٍ أَعْمَقَ فِي التَّنْشِئَةِ وَالتَّكْوِينِ، أَمْ أَنَّهُ مَزِيجٌ مُعَقَّدٌ يَسْتَدْعِي مِنَّا إِعَادَةَ بِنَاءِ الْإِنْسَانِ قَبْلَ إِعَادَةِ بِنَاءِ الْمَنْهَجِ؟