بين منطق المتاريس وعقل الدولة: كيف يرسم جوزاف عون ملامح لبنان الجامع؟

تحكم المشهد السياسي اللبناني قاعدة عرفية متجذرة عنوانها: “إن لم تكن معي، فأنت حتماً ضدي”. اصطفافات طائفية وحزبية عمياء استطاعت على مدى عقود تعطيل لغة الحوار وتغييب معايير المحاسبة، حتى بات الزعيم كائناً معصوماً لدى جمهوره مهما بلغت ارتدادات القرارات المتخذة. هذا النمط المأزوم في إدارة الشأن العام كاد في محطات بالغة الدقة أن يدفع بالبلاد نحو حافة المجهول.

في خضم هذا المناخ المستقطب، يقدم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون نموذجاً مغايراً في مقاربة مفهوم الحكم. فالرجل القادم من مؤسسة وطنية جامعة صمدت كرمز لوحدة اللبنانيين، يخوض معركة استعادة “مشروع الدولة” بوصفه المظلة الوحيدة القادرة على استيعاب التنوع وحماية الاستقرار.

تفكيك صواعق التفجير: الحكمة قبل المزايدات السياسية

يُختبر الفارق الحقيقي بين رجل الدولة وأصحاب الحسابات الفئوية في لحظات الأزمات الكبرى. وجاء القرار المشترك الأخير بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بعدم إحالة ملف شاحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي ليعكس وعياً عميقاً بحساسية اللحظة الأمنية والاجتماعية.

لم تكن الخطوة التفافاً على العدالة بقدر ما كانت احتواءً واعياً لاحتقان مهدد بالانفجار. التحذيرات الميدانية والسياسية أكدت أن التصعيد في هذا التوقيت كان سيجر الشارع نحو اضطرابات ومواجهات مفتوحة يصعب ضبط تداعياتها. هنا رجحت كفة المسؤولية الوطنية على منطق الشعبوية، مما وفر حماية مباشرة للسلم الأهلي في توقيت يحتاج فيه لبنان إلى أدنى مقومات التماسك والهدوء الداخلي.

العيش المشترك: صمّام أمان الكيان ورسالة الحضور الإقليمي

لا يتعامل الرئيس جوزاف عون مع مبدأ الوحدة الإسلامية – المسيحية كشعار للمناسبات العامة، بل يضعه كشرط وجودي لحماية الكيان ومستقبله. فالتجارب المتتالية أكدت أن الانقسامات لا تورث سوى الضعف، وأن استغلال الدين والمذهب لتبرير العنف أو تحقيق مكاسب حزبية آنية يهدد النسيج المجتمعي بأكمله دون استثناء لأي مكون.


حماية الشراكة المتكافئة تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية لتشكل نموذجاً للاعتدال واحترام التعددية وحقوق الإنسان في منطقة مشتعلة بالصراعات. وتتكامل هذه الرؤية مع الإصرار على تحصين الجبهة الجنوبية واستقرارها، سواء عبر التمسك بقوات “اليونيفيل” أو من خلال استقطاب قوات أوروبية حليفة تؤسس لدعم دولي واسع يثبت الأمن ويصون السيادة.

طرابلس: من صندوق بريد أسود إلى قطب اقتصادي عالمي

تجسيد رؤية “الدولة الحاضنة” تُرجم ميدانياً عبر زيارة الرئيس عون إلى مدينة طرابلس. فمن على منبر معرض رشيد كرامي الدولي، وجّه الرئيس رسالة صريحة بأن موقع الرئاسة يقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، وأن لبنان لا يمكن أن ينهض بفريق دون آخر ولا بطائفة دون شريكتها.

طرابلس، التي قاست طويلاً من سياسات التهميش واستغلال العصابات المقنعة بالسياسة حتى تحولت لسنوات إلى صندوق بريد أسود لتبادل الرسائل المسمومة، وضعت في صلب أولويات العهد التنموية والسيادية:

  • إنصاف المدينة: التأكيد على أن الجيش والأجهزة الأمنية حماة لأبناء طرابلس وحرياتهم، وكسر جدران العزلة المفروضة عليها تاريخياً.

  • الربط الاقتصادي الدولي: مباركة انضمام مرفأي طرابلس وبيروت إلى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC).

  • إطلاق الإمكانات اللوجستية: استثمار مقومات مرفأ طرابلس ليتحول من مساحة معطلة إلى مركز استراتيجي على خارطة التجارة البحرية وسلاسل الإمداد الدولية.

يقف لبنان أمام خيارين: إما البقاء أسرى لخطاب المتاريس الذي يستثمر في الأزمات ويغذي الهواجس، أو الالتقاء حول مشروع الدولة القوية العادلة الذي يعبر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون بحكمة إدارة الملفات وعمق التحرك التنموي. الاستقرار لا يُصنع بالتنافر، والنهوض الحقيقي يبدأ حين يقتنع الجميع بأن الوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه.