ما بعد المبادرات الفردية: كيف نؤسس لإدارة عامة لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة؟

كيف نضمن استدامة الإصلاح الإداري والتحول الرقمي في الدولة؟ رؤية عملية حول مأسسة العمل الحكومي، وأهمية البحث العلمي في صناعة القرارات العامة.

​«هل ينجح؟ هل يمكن توسيع نطاقه؟ وهل سيستمر بعدنا؟»

​بهذه المعايير الثلاثة، وضع وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، الدكتور فادي مكي، جوهر التحدي الحقيقي أمام أي مشروع إصلاحي أو سياسة عامة، وذلك خلال افتتاح مؤتمر «تعزيز البحث العلمي من أجل مستقبل مستدام» في جامعة بيروت العربية.

​الرسالة كانت حاسمة: قيمة الإصلاحلات لا تكمن في إطلاق المبادرات الرنانة، بل في قدرتهاعلى البقاء والاستمرار.

​نحو دولة المؤسسات: كسر حلقة «البداية من الصفر»

​طرح مكي إشكالية جوهرية تواجه الإدارة العامة: كيف نتحول من مرحلة «المشاريع التجريبية» المرتبطة بوزير أو حكومة معينة إلى «أنظمة عمل دائمة» تصبح جزءاً أصيلاً من هوية الدولة؟

​الإدارة المستدامة الحقيقية لا ينبغي أن تعيد بناء العجلة مع كل تغيير حكومي، بل تتطلب:

  • ​ذاكرة مؤسساتية صلبة: تستند إلى بيانات واضحة وأنظمة موثقة لا تضيع مع تبدل المسؤولين.
  • ​رأسمال بشري مؤهل: كوادر تمتلك الكفاءة والقدرة على قيادة التغيير والتطوير المستمر.
  • ​مرونة مؤسساتية عالية: قدرة حقيقية على امتصاص الصدمات الاقتصادية والصحية والتكنولوجية.

​رؤية 2030: ثلاث ركائز لإعادة ابتكار العمل الحكومي

​استعرض مكي المحاور الأساسية لبرنامج «إعادةابتكارالحكومة 2030»، مشدداً على أن مقياس النجاح الأوحد هو قدرة هذه الإصلاحات على الاستمرار:

  1. ​الحوكمةوإعادةهيكلة بنية الدولة: تنظيم المؤسسات وتحديث قواعد عملها بما يمنع الترهل والتكرار.
  2. ​الاستثمار في الكفاءات البشرية: تدريب الموظفين، صقل المهارات، واستقطاب الطاقات الشابة إلى القطاع العام.
  3. ​التحول الرقمي الموجه للمواطن: تصميم الخدمات الحكومية الرقمية لتلبي حاجات الناس الفعلية، مع التأكيد على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي إن لم ترتبط بأنظمة حوافز وقدرات تشغيلية تضمن بقاءها.

​البحث العلمي: جسر العبور من «الانطباع» إلى «القرار القائم على الدليل»

​لم يعد مقبولاً اتخاذ القرارات والسياسات العامة بناءً على التقديرات الفردية؛ بل بات الانتقال إلى صناعةالقرارالمستندةإلى الدليل ضرورة حتمية.

​وهنا تبرز الشراكة الحيوية بين الدولة والجامعات، حيث يمثل ربط الاحتياجات الواقعية للمؤسسات العامة بقدرات الأكاديميين والباحثين السبيل الأنجع لتحويل الأبحاث النظرية إلى حلول تنفيذية ملموسة تخدم المجتمع وتحسّن حياة المواطن اليومية.

​لبنان لا يحتاج إلى مؤسسات تكتفي بإدارة الأزمات وانتظار الصدمة التالية، بل إلى إدارة تمتلك من المرونة والمعرفة ما يجعلها تتعلم، تتطور، وتستمر بثقة نحو المستقبل.